بدأت فرنسا في 11 أوت 2026 تطبيق نظام جديد للتسويق الهاتفي غيّر القاعدة التي حكمت الاتصال التجاري بالمستهلك لسنوات. فبعد نظام «Bloctel»، أصبح الأصل هو منع الاتصال التجاري الهاتفي بالمستهلك الذي لم يعبّر مسبقًا عن موافقته على تلقي هذا النوع من الاتصالات.
ويعرّف القانون الفرنسي هذه الموافقة بأنها إرادة حرة ومحددة ومستنيرة وواضحة وقابلة للسحب، تعبّر عنها عبر فعل إيجابي واضح كما ينص على بطلان العقد الذي يبرم نتيجة اتصال تجاري جرى بالمخالفة لهذه القاعدة، مع الإبقاء على استثناءات محددة، خصوصًا في إطار تنفيذ عقد قائم. ودخل هذا النظام حيز التنفيذ بموجب المادة L223-1 من قانون الاستهلاك والمرسوم الصادر في 23 جويلية 2026.
لكن التحول لا يتعلق فقط بالطريقة التي تتصل بها الشركات بالمستهلك. إنه يعيد تنظيم شروط الوصول إلى السوق نفسها.
وبالنسبة إلى تونس، التي تستقبل السوق الفرنسية نحو 84% من رقم معاملات قطاع مراكز الاتصال والعلاقة مع الحريف، وفق الدراسة القطاعية للغرفة الوطنية النقابية لمراكز الاتصال والعلاقة مع الحريف المنجزة في سبتمبر 2024، تصبح المسألة أكبر من مجرد امتثال مراكز الاتصال لقانون أجنبي.
بلغ رقم معاملات القطاع 1.181 مليار دينار سنة 2023، مقابل 831 مليون دينار سنة 2019، وقدرت الدراسة مساهمته بنحو 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي، مع نحو 250 مؤسسة تنشط في خدمات التعهيد والعلاقة مع الحريف الموجهة إلى الأسواق الخارجية.
هذه الأرقام تعطي للقرار الفرنسي وزنه الحقيقي. فالمسألة لا تتعلق بسوق أجنبية مهمة فحسب، بل بقطاع تونسي بنى جانبًا أساسيًا من نموه على الاندماج في السوق الفرنسية وعلى خدمات محددة داخلها. لذلك فإن أثر القرار لا يقاس بعدد المكالمات التي قد تتراجع، وإنما بمدى قدرة النموذج الذي أنتج هذه المكالمات على الاستمرار في إنتاج القيمة بالشروط نفسها.
قطاع تونسي نما… ولكن على أي أساس ؟
ارتفع رقم معاملات القطاع من 831 مليون دينار سنة 2019 إلى 1.181 مليار دينار سنة 2023. لكن هذا النمو لا يكفي وحده للحكم على متانة النموذج.
تبيّن الدراسة القطاعية أن المكالمات الصادرة تمثل 41% من رقم المعاملات، منها 33% للتسويق الهاتفي واستقطاب الحرفاء، مقابل 39% للمكالمات الواردة ونحو 20% للمعالجة الإدارية والدعم.
تكشف هذه البنية أن النشاط لم يعتمد فقط على خدمات الدعم أو إدارة علاقة قائمة مع الحريف، بل احتل الوصول إلى الحريف واستقطابه موقعًا مهمًا في إنتاج رقم المعاملات. وهذه ليست ملاحظة تقنية، لأن نموذجًا يحقق القيمة من خلال القدرة على الاتصال الواسع بالمستهلك يختلف اقتصاديًا واجتماعيًا عن نموذج يقوم على إدارة علاقة قائمة أو معالجة مشكلة معقدة.
ومن هنا يصبح نظام الموافقة المسبقة ذا أثر يتجاوز المكالمة نفسها. فهو لا يحظر النشاط التجاري الهاتفي بصورة مطلقة، لكنه يضيّق مجال الاتصال غير المطلوب، ويجعل وجود علاقة سابقة أو موافقة واضحة أكثر أهمية في الوصول إلى المستهلك. وبذلك يضغط على أحد عناصر النموذج السابق: تحويل القدرة التشغيلية على الاتصال إلى قيمة تجارية.
ولا تسمح نسبة 33%، مع ذلك، بالقول إن ثلث رقم معاملات القطاع أصبح مهددًا. فالدراسة لا تفصل ما إذا كان كل التسويق الهاتفي يتم تجاه مستهلكين لم يسبق لهم منح موافقة، كما أن القانون نفسه يتضمن استثناءات. لذلك سيكون من الخطأ تحويل نسبة النشاط التسويقي إلى تقدير مباشر للخسائر.
لكن المؤشر يسمح باستنتاج أكثر صلابة: جزء مهم من القطاع التونسي مرتبط بنمط من العمل ستتغير شروط ممارسته في السوق التي تستقبل نحو 84% من رقم معاملاته.
وهنا تظهر حدود الاحتفاء بنمو رقم المعاملات. فالقطاع يمكن أن ينمو لأنه ينفذ عددًا أكبر من العمليات لحساب شركات أجنبية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أنه صعد داخل سلسلة القيمة. هناك فرق بين أن تنمو تونس من خلال توسيع حجم التنفيذ، وبين أن تنمو لأنها أصبحت تملك جزءًا أكبر من المعرفة والبيانات والعلاقة مع الحريف و هذا الفرق سيصبح حاسمًا مع تغير السوق الفرنسية.
المشكلة ليست عدد المكالمات، بل اقتصاد الاتصال يعيد النظام الفرنسي ترتيب العلاقة بين الاتصال والقيمة.
في نموذج الاتصال الصادر، تمثل القدرة على الوصول إلى أكبر عدد من المستهلكين موردًا إنتاجيًا: كل مكالمة محاولة لتحويل الاتصال إلى عملية تجارية. أما حين تصبح الموافقة السابقة أكثر مركزية، فإن جزءًا من القيمة ينتقل إلى المرحلة التي تسبق المكالمة: اكتساب الموافقة، وإدارة البيانات، وتحديد من يمكن الاتصال به، وفي أي سياق.
هنا تنتقل المؤسسة من اقتصاد يقوم على كثافة الاتصال إلى اقتصاد يقوم بدرجة أكبر على قيمة العلاقة.
ويؤثر ذلك في مفهوم الإنتاجية نفسه. فالعامل لم يعد يقاس فقط بعدد المكالمات التي يجريها خلال ساعة، لأن قيمة هذه المكالمات أصبحت مرتبطة بجودة قاعدة العملاء وطبيعة العلاقة السابقة معهم. وقد يصبح عدد أقل من التفاعلات أكثر قيمة من عدد أكبر منها إذا كان موجّهًا إلى حريف لديه علاقة قائمة بالمؤسسة أو إلى حالة تتطلب معرفة وخبرة وقدرة على حل المشكلة.
لكن المؤشرات المتاحة عن القطاع التونسي لا تقيس هذه النقلة بما يكفي. نعرف رقم المعاملات، وتوزيع الخدمات، وحجم الاعتماد على الأسواق الخارجية، لكننا لا نملك، بالقدر نفسه، مؤشرات منتظمة عن القيمة المضافة لكل عامل، والعائد من كل تفاعل، وحصة الأنشطة ذات القيمة العالية، أو موقع المؤسسة التونسية في مراحل اتخاذ القرار التجاري.
وهذا الغياب يكشف سؤالًا أكثر عمقًا: كم من القيمة التي ينتجها العامل التونسي تبقى في تونس، وكم منها يبقى لدى صاحب العلامة التجارية والبيانات والعلاقة الأصلية مع الحريف؟
إذا كانت المؤسسة التونسية تقدم أساسًا قوة العمل والتنفيذ، فإن ارتفاع رقم معاملاتها لا يعني بالضرورة ارتفاع موقعها في سلسلة القيمة. وإذا كانت لا تتحكم في البيانات ولا في استراتيجية العلاقة مع الحريف، فإنها تظل مرتبطة بقرارات تتخذ خارجها.
من هنا يصبح القرار الفرنسي كاشفًا لهشاشة نموذج أوسع: نموذج يقوم على تصدير تنفيذ الخدمة أكثر مما يقوم على امتلاك الخدمة وقيمتها.
من outbound إلى opt-in: من يملك العلاقة يملك الجزء الأعلى من القيمة
الانتقال إلى نظام يقوم على الموافقة السابقة لا يعني أن كل نشاط «outbound» اختفى أو أن كل نشاط أصبح «opt-in» بالمعنى التجاري البسيط. الأدق أن القانون الفرنسي يجعل الاتصال التجاري الهاتفي غير المطلوب محظورًا من حيث الأصل، ويشترط موافقة سابقة، مع وجود استثناءات محددة.
لكن هذا التغيير القانوني يكشف تحولًا اقتصاديًا أعمق.
في النموذج التقليدي، تبدأ العملية من المؤسسة: هي التي تختار الحريف، وتبدأ الاتصال، وتتحمل كلفة المحاولة، ثم تبحث عن تحويلها إلى عملية تجارية. أما في النموذج الذي تصبح فيه الموافقة السابقة عنصرًا حاسمًا، فإن العلاقة تبدأ قبل المكالمة؛ أي أن المؤسسة تحتاج إلى حريف سبق أن أبدى استعداده لتلقي الاتصال أو نشأت معه علاقة تسمح بالتواصل.
وهذا يعني أن جزءًا من القيمة ينتقل إلى المرحلة التي تسبق مركز الاتصال نفسه.
تصبح إدارة البيانات، واكتساب الموافقة، والقنوات الرقمية، وتجربة الحريف، وبرامج الولاء، والمواقع والتطبيقات، أدوات لاكتساب القدرة على التواصل قبل أن تبدأ المكالمة. وفي هذه المرحلة تحديدًا تظهر مشكلة موقع تونس.
فالقطاع التونسي يعمل بدرجة كبيرة داخل سلاسل تعهيد عابرة للحدود: المؤسسة الأجنبية تملك السوق والعلامة والعلاقة الأصلية مع الحريف، بينما يتولى مركز الخدمة التونسي تنفيذ جزء من العمليات. وعندما ترتفع قيمة العلاقة السابقة مع الحريف، ترتفع أيضًا قيمة ما تملكه المؤسسة الأصلية من بيانات وقنوات وصول وقرار تجاري.
إذن لا تكمن المسألة في أن تونس ستجري مكالمات أقل فحسب، بل في احتمال أن تصبح الحلقة التي تملكها تونس أقل أهمية داخل سلسلة القيمة الجديدة.
وهنا يصبح القانون الفرنسي عامل ضغط على نموذج اقتصادي كان يعتمد أصلًا على الفصل بين من يملك العلاقة ومن ينفذها.
إذا بقي المركز التونسي عند مستوى التنفيذ، فإن أهمية الطرف الذي يملك البيانات وقنوات اكتساب الحريف سترتفع. أما إذا تمكنت المؤسسات التونسية من الانتقال إلى تحليل البيانات وإدارة تجربة الحريف والخدمات الرقمية المتعددة، فإنها تستطيع جعل موقعها داخل السلسلة أكثر صعوبة في الاستبدال.
إذن، التحدي ليس قانونيًا فقط. إنه تحدي موقع تونس داخل تقسيم دولي للعمل.
فرنسا لا تتخلى عن العلاقة مع الحريف… بل تعيد تعريفها
لو كان التغيير الفرنسي يعني نهاية خدمات العلاقة مع الحريف، لكان أثره واضحًا في تقلص السوق برمتها. لكن المؤشرات الفرنسية ترسم صورة مختلفة.
بلغ سوق العلاقة مع الحريف الخارجية في فرنسا 3.5 مليارات يورو سنة 2025، مسجلًا تراجعًا بنسبة 1.4%. وفي الوقت نفسه ارتفع نشاط استرجاع الديون بنسبة 9%، ونمت قناة التواصل عبر الشبكات الاجتماعية بنسبة 17%، بينما طورت 84% من الشركات الأعضاء في SP2C وظائف مرتبطة بتحليل البيانات والمشاريع الرقمية. هذه الأرقام وردت في Baromètre 2026 الذي نشره SP2C بالشراكة مع EY في 9 جويلية 2026.
إذن، ما يتراجع ليس «العلاقة مع الحريف» في حد ذاتها، وإنما بعض أشكال إنتاجها و هذا فرق جوهري.
السوق الفرنسية لا تقول إن الاتصال أصبح بلا قيمة؛ بل تعيد توزيع القيمة بين أنواع الاتصال. فالتفاعل الذي يمكن إنتاجه بكميات كبيرة وبقواعد ثابتة يصبح أقل تميزًا، بينما ترتفع أهمية الخدمات التي تتطلب تحليلًا، وتخصيصًا، وتعددًا في القنوات، وقدرة على معالجة مشكلات أكثر تعقيدًا.
ويؤكد توزيع القيمة هذا التحول. فقد ظل المستشارون البشريون يمثلون 90.4% من رقم معاملات القطاع الفرنسي في 2025، مقابل 8.7% للحلول القائمة على الذكاء الاصطناعي، فيما تراجع عدد العاملين بنسبة 3.6%. كما بلغت نسبة العاملين بعقود CDI نحو 84%، وسجلت الترقيات الداخلية 17%، وكان 78% من العاملين من ذوي مستوى البكالوريا فما فوق.
هذه الأرقام تنقض القراءة السهلة التي تختزل التحول في «الذكاء الاصطناعي سيقضي على العامل».
ما يحدث أكثر تعقيدًا: العمل البشري ما زال يحمل الجزء الأكبر من النشاط، لكن السوق تعيد تعريف نوع العمل البشري الذي تستحقه القيمة.
وهنا تصبح نسبة انخفاض العمالة، البالغة 3.6%، أكثر دلالة من مجرد نسبة استخدام الذكاء الاصطناعي. فهي تشير إلى أن القطاع الفرنسي يمكن أن يرفع إنتاجيته مع عدد أقل من العاملين، حتى مع بقاء المستشار البشري في قلب إنتاج القيمة.
وهذا هو البعد الاجتماعي المباشر للتحول بالنسبة إلى تونس.
الفجوة التونسية: حين تصبح ميزة الكلفة أقل كفاية
المشكلة ليست أن تونس لا تمتلك قطاعًا قادرًا على العمل في السوق الفرنسية. الأرقام تثبت العكس. فقد وصل رقم معاملات القطاع إلى 1.181 مليار دينار، وارتبط نحو 84% منه بالسوق الفرنسية، بينما يمثل التسويق الهاتفي واستقطاب الحرفاء 33% من رقم المعاملات وفق الدراسة القطاعية التونسية.
لكن النجاح نفسه يكشف نقطة الضعف.
كلما ارتفعت نسبة الاعتماد على سوق واحدة، أصبحت إعادة تشكيل تلك السوق أكثر تأثيرًا. وكلما ارتبط جزء مهم من النشاط بنمط محدد من الخدمات، أصبح تغير الطلب أكثر أهمية من مجرد استمرار الطلب على القطاع ككل.
وهذا ما يحدث هنا: السوق الفرنسية لا تتخلى عن العلاقة مع الحريف، لكنها ترفع مستوى القيمة المطلوبة منها.
وفي المقابل، تكشف بنية النشاط التونسي أن جزءًا مهمًا من رقم المعاملات ما زال مرتبطًا بالتسويق الهاتفي واستقطاب الحرفاء. لذلك لا تكمن المفارقة في وجود قطاع «قديم» أمام سوق «حديثة»، بل في احتمال اتساع الفجوة بين نوع العمل الذي تعرضه تونس ونوع العمل الذي تتجه السوق إلى مكافأته.
وهنا يصبح مفهوم «التنافسية بالكلفة» غير كافٍ.
ليس لأن الكلفة لم تعد مهمة، وإنما لأن الكلفة أصبحت عنصرًا واحدًا داخل معادلة أوسع. فإذا كانت المؤسسة تبحث عن تحليل بيانات، وإدارة تجربة الحريف، وحلول رقمية، وخدمات متعددة القنوات، فإن انخفاض تكلفة اليد العاملة لا يعوض غياب هذه القدرات.
وهنا يطرح التحول الفرنسي سؤالًا استراتيجيًا على تونس: هل تستطيع تحويل خبرة العمل الذي صدرته لسنوات إلى معرفة قابلة للتصدير؟
الفارق بين الاثنين هو الفارق بين قطاع ينفذ ما يطلبه العميل وقطاع يشارك في إنتاج ما يطلبه العميل.
إنتاجية أعلى… ولكن هل تعني وظائف أقل؟
هنا تظهر القضية الاجتماعية التي لا يجوز اختزالها في خطاب الرقمنة.
حين ترتفع الإنتاجية نتيجة الرقمنة والذكاء الاصطناعي، لا يعني ذلك اختفاء العمل. لكنه يعني أن كمية العمل اللازمة لإنتاج الوحدة نفسها من الخدمة يمكن أن تنخفض. والسوق الفرنسية تقدم مؤشرًا واضحًا: تراجع عدد العاملين بنسبة 3.6%، بينما ظل المستشارون البشريون يمثلون 90.4% من رقم معاملات القطاع. وفي الوقت نفسه، طورت 84% من الشركات الأعضاء وظائف مرتبطة بتحليل البيانات والمشاريع الرقمية.
إذن لا يجري ببساطة استبدال «الإنسان» بالتكنولوجيا؛ يجري استبدال بعض المهام البشرية بأدوات تكنولوجية، وإعادة تقييم المهام التي تبقى بشرية وهذا يغير بنية سوق العمل.
العامل الذي كانت قيمته مرتبطة بسرعة التنفيذ والقدرة على تكرار الإجراء قد يجد أن المهارة التي أتقنها أصبحت أقل ندرة. وفي المقابل، ترتفع قيمة العامل القادر على تحليل البيانات، وفهم احتياجات الحريف، وحل المشكلات المعقدة، وإدارة قنوات متعددة.
ليس كل téléopérateur قابلًا للتحول تلقائيًا إلى Data Analyst.
وهذه ليست مجرد مسألة تدريب. إنها مسألة إعادة توزيع للفرص داخل سوق العمل. فحين ترتفع قيمة مهارات معينة، لا يستفيد جميع العمال من التحول بالطريقة نفسها. بعضهم يستطيع الانتقال، وبعضهم يحتاج إلى إعادة تأهيل طويلة، وبعضهم قد يكتشف أن خبرته السابقة فقدت جزءًا من قيمتها السوقية.
لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال الاجتماعي: كم وظيفة سيبقى في القطاع فقط؟
السؤال هو: أي وظائف ستبقى، ولمن، وبأي مستوى من المهارات والأجور، وبأي مسارات للترقية؟
وهنا تصبح الرقمنة مسألة في سوسيولوجيا العمل، لا مجرد تحديث تقني.
من تصدير ساعات العمل إلى تصدير قيمة العمل
لا يمكن أن يكون الرد التونسي مجرد الدفاع عن النموذج القديم بكل عناصره.
حماية الوظائف ضرورية، لكن حماية الوظيفة عبر الإبقاء على مهام فقدت جزءًا من قيمتها السوقية ليست سياسة مستدامة وتنويع الأسواق ضروري، لكن نقل النموذج نفسه إلى أسواق أخرى لا يحل المشكلة البنيوية.
المطلوب هو تغيير موقع القطاع داخل سلسلة القيمة.
تونس لا تحتاج فقط إلى مراكز تستطيع تنفيذ المكالمات؛ تحتاج إلى مؤسسات تستطيع إدارة العلاقة، وتحليل البيانات، وتصميم تجربة الحريف، وتقديم الدعم المتخصص، وإدارة القنوات الرقمية، والمشاركة في القرار التجاري.
وتشير السوق الفرنسية نفسها إلى اتجاه هذا التحول. فإذا كانت 84% من الشركات الأعضاء في SP2C قد طورت وظائف Data Analyst ومتخصصي المشاريع الرقمية، وإذا نما التواصل عبر الشبكات الاجتماعية بنسبة 17%، وارتفع نشاط استرجاع الديون بنسبة 9%، فإن القيمة تتجه نحو خدمات أكثر تخصصًا وتنوعًا.
وهذا يعني أن التحدي التونسي ليس مجرد رقمنة القطاع، وإنما ترقية العمل داخله.
فالتكنولوجيا يجب ألا تتحول إلى أداة لخفض كلفة العامل فقط، بل إلى وسيلة لرفع القيمة التي يستطيع العامل إنتاجها. وإلا فإن التحول الرقمي قد يرفع إنتاجية المؤسسة من دون أن يرفع بالضرورة موقع العامل أو نصيب تونس من القيمة.
وهنا تصبح مسؤولية الدولة والقطاع الخاص ومنظومة التكوين مترابطة. فالتكوين المستمر وإعادة التأهيل لا ينبغي أن ينظرا إليهما كإجراء اجتماعي ملحق بالسياسة الاقتصادية، بل كشرط لبقاء القطاع داخل سوق تتغير فيها طبيعة المهارات المطلوبة.
والأهم أن قياس القطاع نفسه يجب أن يتغير. فلا يكفي أن نعرف رقم معاملات مراكز الاتصال وعدد المؤسسات والعاملين ينبغي أن نعرف القيمة المضافة لكل عامل، وحصة الخدمات ذات القيمة العالية، ونسبة الأنشطة الرقمية، ونسبة الوظائف التي تتطلب مهارات تحليلية، وحجم الإنفاق على التكوين، وموقع المؤسسات التونسية في مراحل إنتاج الخدمة واتخاذ القرار.
لأن ما لا نقيسه لا نستطيع أن نعرف إن كنا قد غادرنا نموذج تصدير العمل أم ما زلنا داخله.
الاختبار الحقيقي يبدأ الآن
لا يسمح القانون الفرنسي وحده بالتنبؤ بانهيار قطاع مراكز الاتصال في تونس، ولا بتحديد عدد الوظائف أو حجم رقم المعاملات الذي سيتأثر. وأي تقدير من هذا النوع سيكون مبالغة ما لم تتوفر بيانات عن حصة النشاط التونسي المرتبطة تحديدًا بالاتصالات التي سيحظرها النظام الجديد.
لكن وضع القرار الفرنسي إلى جانب بنية القطاع التونسي وتحولات السوق الفرنسية يكشف تحولًا أكبر من القانون نفسه.
فرنسا تغيّر شروط الوصول إلى الحريف، والسوق الفرنسية تعيد في الوقت نفسه تعريف ما تعتبره قيمة في العلاقة معه، بينما يعتمد القطاع التونسي بدرجة مرتفعة على هذه السوق وعلى نشاط يمثل فيه التسويق الهاتفي 33% من رقم المعاملات.
لذلك لا يعود السؤال الحقيقي: هل ستنخفض المكالمات؟
السؤال الأهم هو: هل يستطيع نموذج مراكز الاتصال التونسي أن ينتقل من اقتصاد كثافة العمل إلى اقتصاد قيمة العمل قبل أن يصبح التحول في السوق الفرنسية واقعًا يفرض نفسه عليه؟
فالخطر الحقيقي ليس فقدان جزء من المكالمات غدًا.
الخطر أن تبقى تونس تنتج النوع القديم من الخدمة في سوق أصبحت تكافئ نوعًا جديدًا من العمل.
وإذا كان النمو السابق قد جعل تونس تصدّر ساعات عمل إلى السوق الفرنسية، فإن التحول الجاري يفرض سؤالًا أكثر صعوبة: هل تستطيع تونس أن تصدّر قيمة العمل نفسه؟
لأن ما تغيّر في فرنسا في 11 أوت ليس فقط قاعدة الاتصال بالمستهلك.
ما تغيّر هو قيمة الاتصال، وبالتالي قيمة العمل الذي يقف وراءه.
