بقلم لطفي بسباس – يشكل المرفق العمومي، وفي مقدمته قطاع الصحة، الركيزة الأساسية لصلة الوصل بين المواطن والدولة.
إن حق المواطن التونسي في التمتع بخدمات صحية لائقة وقضاء حاجاته في إطار القانون ليس منة أو صدقة، بل هو حق دستوري مكفول، تلتزم الدولة بتوفيره صونا لكرامة الإنسان.
إلا أن ما يحدث أحيانا داخل جدران هذه المؤسسات من تنصل وتجاوزات يضعنا أمام تساؤلات حارقة حول واقع المعاملات الإنسانية ومدى التزام بعض المنتمين إلى القطاعات الخاضعة للقوانين التأديبية بأخلاقيات مهنهم.
وتعود أطوار هذه الواقعة المقلقة إلى حادثة تعرض لها مواطن تونسي وجد نفسه ضحية اعتداء مادي ولفظي من قبل المحامي المكلف بقضيته، والمتعلقة بحادث سير سابق.
فبسبب خلاف في وجهات النظر، أقدم المحامي على طرد موكله ودفعه إلى خارج المكتب وإيصاد الباب في وجهه أمام مرأى ومسمع زملائه، متخليا عن واجبه المهني دون سابق إنذار وتزامن ذلك مع إضراب لقطاع المحاماة لم يكن المواطن على علم به.
وقد تسبب هذا الاعتداء للمواطن في أزمة نفسية حادة واكتئاب شديد انعكس جسديا على وزنه وصحته العامة.
وعند توجهه إلى المستشفى الجهوي طلبا للإغاثة الطبية نتيجة الأوجاع الحادة التي ألمت به، شخص أطباء القطاع العمومي حالته على أنها ليست عضوية، بل ناتجة عن صدمة نفسية تستوجب التوجيه إلى الطب النفسي.
وفي خضم هذا التوتر، برزت نقطة مضيئة تمثلت في طبيبة شابة بقسم الاستعجالي، اعتذرت للمواطن بلطف عن سوء المعاملة التي تلقاها خارجا، موضحة له بهدوء واحترام حدود اختصاصها الطبي.
في المقابل، ساد صمت رهيب ومثير للاستغراب من قبل عدد من الحاضرين والإطار الإداري بالمستشفى أمام مأساة مواطن أفنى عمره في سلك التعليم لتنوير أجيال المستقبل.
تفتح هذه الحادثة باب النقاش واسعا حول عدد من المحاور الجوهرية :
1. المسؤول الخاضع للقانون التأديبي وتجاوز الحدود
إن المهن الحرة المنظمة، كالطب والمحاماة، والوظائف العمومية على حد سواء، ليست حصونا للإفلات من العقاب. فكل مسؤول أو صاحب مهنة خاضع لقانون تأديبي يتجاوز الحدود المسموح بها، أو يسيء معاملة المواطن، أو يخل بواجباته المهنية، يضع نفسه مباشرة تحت طائلة المساءلة.
وفي دولة القانون، يعد التخلي عن الموكل أو الاعتداء عليه خطأ مهنيا جسيما يستوجب تحرك الهياكل التأديبية واتخاذ ما يلزم من إجراءات، وتطبيق العقوبات التي يقرها القانون، لأن سلطة القانون تعلو ولا يعلى عليها.
2. التكامل الإداري واحترام الصلاحيات
من أهم ركائز نجاح المرفق العمومي أن يكون المسؤول واعيا بدوره تمام الوعي، ومتعاونا مع الفريق الإداري، دون تدخل مباشر في تفاصيل عمل الآخرين أو تجاوز لصلاحياتهم.
إن احترام التسلسل الإداري يعني أن لكل فرد، من أبسط عون إلى المسؤول الأول، صلاحياته واستقلاليته التي يجب أن تحترم من الجميع، بحيث يعمل الكل كجسد واحد تتكامل فيه المهام، دون تغول أو تداخل يعطل سير العمل أو يربك أداء المرفق العمومي.
3. جوهر العمل الإداري: الإنسانية والمساواة
إن جوهر العمل الإداري والمرفق العمومي يتمثل في اختزال المسافات، وتبسيط الإجراءات لقضاء حاجات المواطنين، والتعامل معهم بإنسانية واحترام.
ولا مكان داخل الإدارة التونسية للتمييز الطبقي أو المهني، فالجميع سواسية أمام القانون، وكرامة المعلم أو المتقاعد أو أي مواطن بسيط هي خط أحمر لا يجوز تجاوزه.
إن الصمت الإداري أمام الإهانة أو سوء المعاملة قد يتحول إلى شكل من أشكال التواطؤ، بما يفرغ المرفق العمومي من روحه الإنسانية التي وجد من أجلها.
4. عرقلة القطاع العام لفائدة الخاص : مسألة نسبية لكنها موجعة
لا يمكن غض الطرف عن ظاهرة خطيرة تمس بنية الدولة، تتمثل في تعمد عرقلة القطاع العام وتقزيم خدماته لفائدة القطاع الخاص، بما قد يخدم أجندات يغلب عليها منطق الربح والجشع المالي.
ورغم أن هذا الأمر يبقى نسبيا ولا يمكن تعميمه على كل المؤسسات والعاملين في القطاع العام، فإن مجرد وجود مثل هذه الممارسات، إن ثبتت، يظل مسألة مقلقة تستوجب التوقف عندها ومساءلة المسؤولين عنها، لأن إضعاف المرفق العمومي لا يضر بالمؤسسة وحدها، بل يمس في العمق حق المواطن في خدمة عمومية تحفظ كرامته وتصون حقوقه.
