آثارت مقالاتي السابقة العديد من الأسئلة والاستفسارات التي عرضها الصديقات والأصدقاء أو تلك التي طرحها القراء الذين تفاعلوا مع إصدارات جريدة الشعب في شكليها الورقي والإلكتروني.
وحيث تتسم عناوين الضمان الاجتماعي بالتعدد والتشابك والتراكم فإن مجرد ملامسة مسألة أو تناول أحد المواضيع يثير إشكاليات ذات صلة بالتوازنات المالية والوضعية المحاسبية للصناديق الاجتماعية، في علاقة منظومتي الجرايات والتأمين الصحي والأمان الاجتماعي عموما.
من موقعي، أميل إلى استعمال مفهوم الضمان الاجتماعي مقابل توظيف مصطلح شمولي يتمثل في ما يعني به البعض من مدلول الحماية الاجتماعية، حيث تبدو اللغة الفرنسية أكثر دقة في هذا المجال. ولقد حرصت على اعتماد منهجية تفاعل ومتابعة وتقييم بخصوص مدى استفادة القارئ من الكتابات والمساهمات في مجال الضمان الاجتماعي، باعتباره من أهم المرافق العمومية وأخطر المؤثرات في مجال قياس التنمية وتقييم العدالة الاجتماعية.
الغموض والحيرة والضبابية
يمكن لعلم الاجتماع الذي يقوم على تحديد المفاهيم وتدقيق المصطلحات، استقراء التفاعلات عبر استبيان عملي ووظيفي باستعمال قواعد الإحصاء وتحليل المعطيات الكمية. ولقد مكنني هذا الاختيار من ترتيب الأهداف والأولويات، وتعديل جدولة المسائل المطروحة للتفاعل والنقاش والحوار، حيث تبين أن مسألة الاستخلاص تستأثر بالجانب الهام من الغموض والحيرة والضبابية، بما پبرر محاولة التركيز عليها من خلال هذه الورقة في انتظار التنسيق مع قسم الحماية الاجتماعية بالاتحاد العام التونسي للشغل وبقية الهياكل ذات الصلة قصد تنظيم ندوة وورشة عمل تجمع الخبراء وأهل الاختصاص من مختلف المجالات للخروج بتشخيص وتوصيات عملية تثري الرصيد المعرفي، وتؤثث المرجعيات وتساهم في إعداد مشروع بديل إصلاحي يمكن الاتحاد من طرح المسارات بكل مهنية واقتدار. استعدادا لحوار اجتماعي قادم لا محالة.
الاستخلاص بصناديق الضمان الاجتماعي يتجاوز الوظيفة المالية والمحاسبية بل هو آلية للمراقبة والمتابعة وتحديث سبل التصرف. وحسن توظيف الموارد وضمان حقوق كل الأطراف، وصولا إلى شفافية المعطيات الضرورية لكل إرادة حوار وإصلاح.
مصدر لمشاكل اجتماعية ونزاعات قضائية
هذه العملية المعقدة تحمل على كاهل إدارة الصناديق ومجالس إدارتها، حيث نتناسى الدور الرئيسي للمشغل أو المؤسسة، وكذلك . الأجير أو المضمون الاجتماعي سواء بخصوص الحق في الاشتراك والتغطية الاجتماعية ودور الهياكل التمثيلية، وعلى رأسها النقابات في مقاومة التهرب وعدم انتظام تسديد المستحقات والمساهمات، أو عدم التصريح كليا أو جزئيا بالأجور الحقيقية.
تتسبب هذه الإخلالات في نقص في موارد الصناديق عموما، وتكون كذلك مصدرا لمشاكل اجتماعية ونزاعات قضائية وتوترات مهنية و مس من حقوق العمال والعائلات وذوي الحق.
وحيث تتزامن هذه المخاطر مع توسع مجال الاقتصاد الموازي وتفشي التهرب وبروز أشكال جديدة من العمل اللامادي وعبر الوسائط والمنصات في غياب إطار تشريعي وتنظيمي إجرائي يكفل الحقوق ويوفر سبل الانخراط والمساهمة المناسبة. هي إشكاليات لا يمكن تناولها في مقال فريد، لذا أتعهد بطرحها تباعاً وضمن سلسلة من المساهمات تكون بصفة متدرجة ومبسطة تهدف إلى إعطاء المسألة حجمها الطبيعي والأولوي والذي يحاول حسب تقديري استيعاب بقية مكونات المنظومة في اتجاه تكوين بديل إصلاحي متكامل ومتناسق وقابل للتطبيق، وبأقل تكاليف التصرف وإعادة هيكلة القطاع.
- نشر في عدد الشعب الورقية الصادر بتاريخ الخميس 13 أوت 2026
