جريدة الشعب نيوز
آراء حرة

تسمية أعضاء المجلس الأعلى للتربية والتعليم: قرار يعيد سؤال المحكمة الدستورية

تم اليوم الجمعة 14 أوت 2026 نشر تسمية أعضاء المجلس الأعلى للتربية والتعليم بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية، بقرار من رئيس الجمهورية قيس سعيّد، كما تم تكليف محمد علي البوغديري بمهام الكاتب العام للمجلس. ويدفع هذا القرار مؤسسة نص عليها دستور 2022 إلى مرحلة جديدة، بعد أن ظلت تركيبتها وتفعيلها محل انتظار، لكنه لا يغلق النقاش حول استكمال المؤسسات الدستورية، بل يفتحه على سؤال أكثر إلحاحاً يتعلق بالمحكمة الدستورية التي ما تزال غائبة.

ولا يتعلق الأمر هنا بالمقارنة بين مؤسسة استشارية تعنى بالتربية والتعليم ومؤسسة قضائية تتولى الرقابة الدستورية، فلكل منهما طبيعتها واختصاصاتها. لكن تزامن تفعيل المجلس الأعلى للتربية والتعليم مع استمرار غياب المحكمة الدستورية يطرح سؤالاً مشروعاً حول الطريقة التي يجري بها استكمال المؤسسات التي نص عليها الدستور، وحول المؤسسات التي تحولت إلى واقع فعلي وتلك التي بقيت معلقة دون تفسير سياسي ومؤسساتي واضح.
فبمجرد نشر قرار التسمية، يصبح من الممكن القول إن الدولة قطعت خطوة إضافية في اتجاه تفعيل أحد أحكام دستور 2022. لكن استكمال مؤسسة دستورية لا يمكن أن يُقرأ بمعزل عن بقية المؤسسات التي رسم الدستور موقعها ووظائفها، لأن قيمة البناء الدستوري لا تتحدد بعدد المؤسسات التي يتم تفعيلها، وإنما أيضاً بمدى اكتمال منظومة الضمانات التي يفترض أن تجعل الدستور إطاراً فعلياً لممارسة السلطة.
وهنا تبدأ أهمية الخبر
1. أعاد دستور 2022 ترتيب منظومة المؤسسات الدستورية:
غيّر دستور 2022 بصورة جذرية الخريطة الدستورية للهيئات المستقلة التي أقرها دستور 2014. فقد ألغى الباب الكامل المتعلق بالهيئات الدستورية المستقلة، ولم يُبقِ ضمن هذا التصنيف إلا الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، التي خصص لها الباب الثامن وأسند إليها إدارة الانتخابات والاستفتاءات وتنظيمها والإشراف عليها وضمان سلامة المسار الانتخابي ونزاهته.
لكن الدستور الجديد لم يلغِ المؤسسات الدستورية الأخرى، وإنما أعاد توزيعها داخل البناء الدستوري ووضع لها وظائف مختلفة. فنص على المحكمة الدستورية باعتبارها هيئة قضائية مستقلة، ونص على المجلس الأعلى للتربية والتعليم باعتباره هيئة دستورية استشارية، وأبقى على المجلس الأعلى للقضاء مع إعادة تنظيم تركيبته وطرق تعيين أعضائه في إطار المجالس القضائية الثلاثة، العدلي والإداري والمالي.
وفي المقابل، تخلى دستور 2022 عن دسترة عدد من الهيئات التي كانت قائمة في دستور 2014، ومن بينها هيئة الاتصال السمعي البصري، وهيئة حقوق الإنسان، وهيئة التنمية المستدامة وحماية حقوق الأجيال القادمة، وهيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد.
ويعني ذلك أن دستور 2022 لم يكتف بإعادة صياغة العلاقة بين السلطات السياسية، وإنما أعاد أيضاً تحديد موقع المؤسسات المستقلة والرقابية والاستشارية داخل الدولة. ولذلك فإن السؤال عن استكمال هذه المؤسسات لا يمكن أن يكون سؤالاً إدارياً محضاً، بل يصبح سؤالاً عن طبيعة النظام المؤسساتي الذي أرساه الدستور الجديد.
ومن هذه الزاوية، تكتسب تسمية أعضاء المجلس الأعلى للتربية والتعليم أهمية تتجاوز المجلس نفسه، لأنها تضع أمامنا سؤالاً بسيطاً لكنه أساسي: إذا كانت بعض المؤسسات التي نص عليها الدستور تدخل تدريجياً إلى حيز العمل، فما مصير المؤسسات الأخرى؟
2. تتقدم بعض المؤسسات وتبقى المحكمة الدستورية خارج المشهد
تكشف متابعة المؤسسات التي نص عليها دستور 2022 عن تفاوت واضح في مسارات التفعيل،فتواصل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات أداء مهامها وإدارة الاستحقاقات الانتخابية، رغم الجدل المتواصل حول تركيبتها وطريقة تعيين بعض أعضائها، ووصول نزاعات مرتبطة بعضويتها إلى القضاء،ولا يعني ذلك حسم تلك النزاعات أو إصدار حكم مسبق بشأنها، وإنما يطرح مفارقة تستحق النقاش: كيف تواصل مؤسسة دستورية ممارسة اختصاصاتها في الوقت الذي تظل فيه مسائل تتعلق بتركيبتها محل نزاع، بينما لا تزال المحكمة الدستورية نفسها غائبة؟
وتزداد الصورة تعقيداً بالنظر إلى المسار الذي عرفه المجلس الأعلى للقضاء ومنظومة القضاء عموماً، وما رافق إعادة تنظيمها من نقاش واسع حول استقلال القضاء والعلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية،وفي الجهة المقابلة، يتقدم اليوم مسار المجلس الأعلى للتربية والتعليم من خلال تسمية أعضائه وتكليف كاتبه العام.
وهكذا نجد أنفسنا أمام مشهد مؤسساتي تتحرك فيه بعض المؤسسات، وتستمر أخرى في ممارسة وظائفها، بينما تظل مؤسسة قضائية دستورية أساسية خارج دائرة الفعل،وهنا بالضبط يبدأ السؤال الحقيقي: لماذا لا تتحول المحكمة الدستورية إلى قضية مؤسساتية قائمة بذاتها؟
3. حين احتفى النواب بالمؤسسة وغاب السؤال عن الدستور
وتزداد أهمية هذا السؤال بالنظر إلى الطريقة التي تم بها استقبال خبر التسمية داخل البرلمان،فمنذ نشر القرار في الرائد الرسمي، تسابق عشرات نواب مجلس نواب الشعب إلى نشر الخبر على صفحاتهم، والاحتفاء بتسمية أعضاء المجلس الأعلى للتربية والتعليم، وتقديمها باعتبارها خطوة مهمة في استكمال مؤسسات الدولة.
ولا يمثل احتفاء النواب بتفعيل مؤسسة دستورية مشكلة في حد ذاته، بل يمكن اعتباره أمراً طبيعياً، خاصة أن المجلس يتعلق بقطاع استراتيجي مثل التربية والتعليم،لكن اللافت هو ما غاب عن هذا الاحتفاء: سؤال المحكمة الدستورية.
فإذا كان تفعيل مؤسسة نص عليها الدستور يستحق النشر والاحتفاء، فإن غياب مؤسسة أخرى نص عليها الدستور أيضاً، بل وأسند إليها اختصاصاً بالغ الحساسية يتعلق بمراقبة دستورية القوانين والمعاهدات، كان يفترض أن يستدعي السؤال نفسه.
كان يمكن أن يتحول خبر تسمية أعضاء المجلس الأعلى للتربية والتعليم إلى مناسبة يقول فيها النواب: نرحب باستكمال هذه المؤسسة، ونسأل في الوقت نفسه عن بقية المؤسسات الدستورية، وفي مقدمتها المحكمة الدستورية،لكن هذا الربط غاب إلى حد كبير.
وهنا لا يعود الأمر مجرد مسألة تتعلق بمنشورات على صفحات التواصل الاجتماعي، وإنما يصبح مؤشراً سياسياً على طبيعة النقاش المؤسساتي نفسه،فالنواب يمثلون السلطة التشريعية، والقوانين التي يصدرها البرلمان يفترض أن تخضع، وفق الآليات التي يحددها الدستور، للرقابة الدستورية. ولذلك فإن غياب المحكمة الدستورية ليس ملفاً بعيداً عن البرلمان، بل يتعلق مباشرة بالوظيفة التشريعية وبالعلاقة بين القانون والدستور.
4. المحكمة الدستورية ليست مؤسسة أخرى في القائمة
نص دستور 2022 على المحكمة الدستورية باعتبارها هيئة قضائية مستقلة تتكون من تسعة أعضاء من القضاة المباشرين، وأسند إليها مراقبة دستورية القوانين والمعاهدات،وتكشف طبيعة هذه المهمة عن الفرق الجوهري بينها وبين المجلس الأعلى للتربية والتعليم. فالمجلس يقدم وظيفة استشارية في مجال التربية والتعليم، بينما تتصل المحكمة بجوهر العلاقة بين السلطات والقانون والدستور،ولهذا لا يمكن وضع غياب المحكمة في خانة التأخير الإداري العادي،فالدولة عندما تؤخر مؤسسة استشارية قد تؤجل مشورة أو رؤية في قطاع معين، أما عندما تغيب مؤسسة الرقابة الدستورية فإنها تترك فراغاً في إحدى حلقات حماية علوية الدستور،وهنا تكمن أهمية المسألة.
ان الديمقراطية لا تقوم على الانتخابات وحدها، فالانتخابات تمنح الشرعية لمن يحكم، لكنها لا تمنح السلطة حق تجاوز الدستور. والبرلمان يسن القوانين، لكنه لا يصبح بذلك فوق الدستور. والحكومة تنفذ السياسات، لكنها لا تتحول إلى سلطة غير مقيدة، فالديمقراطية تحتاج إلى مؤسسات تجعل السلطة نفسها خاضعة للقانون والدستور، وإلى آليات تمكن من مراقبة احترام هذه القواعد،ومن هنا تأتي المحكمة الدستورية.
5. لماذا أصبح غياب المحكمة أمراً عادياً؟
لا تتمثل المشكلة فقط في أن المحكمة الدستورية لم تُركّز، وإنما في أن غيابها لم يعد ينتج النقاش السياسي والمؤسساتي الذي يفترض أن ينتجه.
تتواصل الانتخابات، ويعمل البرلمان، وتصدر القوانين، وتتخذ السلطات قراراتها، وتستحدث المؤسسات، ويجري الاحتفاء باستكمال بعضها، بينما لا يبدو أن غياب المحكمة الدستورية يحتل موقعاً موازياً في جدول النقاش العام، وكأن تونس تستطيع أن تستكمل مؤسساتها الدستورية دون أن يكون استكمال المحكمة الدستورية جزء ملحاً من هذا المسار،وهنا تصبح المسألة أخطر من مجرد تأخير،
لأن المؤسسات الدستورية لا تكتسب قيمتها فقط من وجود النص الذي ينشئها، وإنما من قدرتها على ممارسة وظائفها. وإذا كانت الدولة تعتبر تسمية أعضاء المجلس الأعلى للتربية والتعليم خطوة تستحق الإعلان والاحتفاء، فإن المنطق نفسه يقتضي أن يكون تعطيل المحكمة الدستورية موضع مساءلة سياسية ومؤسساتية مستمرة.
6. استكمال المؤسسات أم انتقائية في التفعيل؟
يعيد خبر تسمية أعضاء المجلس الأعلى للتربية والتعليم طرح السؤال حول ما إذا كانت تونس تتجه فعلاً إلى استكمال منظومتها الدستورية، أم أنها تتحرك في مسارات منفصلة وفق أولويات لا تزال غير واضحة للرأي العام،فليس الإشكال أن يتم تفعيل المجلس الأعلى للتربية والتعليم، بل إن ذلك يمكن أن يكون خطوة إيجابية في حد ذاته،وليس الإشكال أيضاً أن تواصل هيئة الانتخابات عملها، أو أن تعمل مؤسسات الدولة المختلفة في إطار اختصاصاتها،بل الإشكال يبدأ عندما تتحول بعض المؤسسات إلى واقع فعلي بينما تبقى مؤسسات أخرى، ذات أهمية مركزية في حماية الدستور، خارج دائرة التفعيل، دون أن يقدم أحد تفسيراً واضحاً لهذا التفاوت، ويصبح الإشكال أكثر جدية عندما لا يتحول هذا التفاوت إلى موضوع مساءلة برلمانية أو نقاش سياسي عام.
7. السؤال الذي يفرض نفسه
لا ينبغي، لذلك، أن ينتهي النقاش عند أسماء أعضاء المجلس الأعلى للتربية والتعليم، ولا عند تكليف محمد علي البوغديري بمهام الكاتب العام، بل يفتح الخبر سؤالاً أكبر: ما الذي يعنيه فعلاً استكمال المؤسسات الدستورية؟
إذا كان المقصود هو تفعيل كل المؤسسات التي نص عليها دستور 2022، فإن المحكمة الدستورية لا يمكن أن تكون استثناءً،وإذا كان المقصود بناء دولة مؤسسات، فإن الرقابة على دستورية القوانين ليست تفصيلاً يمكن تأجيله إلى أجل غير معلوم،وإذا كان المقصود بناء نظام ديمقراطي، فإن الانتخابات والبرلمان لا يكفيان وحدهما، لأن الديمقراطية تحتاج أيضاً إلى مؤسسات تضمن ألا تتحول السلطة إلى سلطة مطلقة، وآليات تجعل الدستور ملزماً للسلطة قبل أن يكون ملزماً للمواطن،لهذا فإن تسمية أعضاء المجلس الأعلى للتربية والتعليم يوم 14 أوت 2026 تطرح سؤالاً يتجاوز المجلس نفسه:
لماذا استُكملت اليوم مؤسسة دستورية، بينما ما تزال المحكمة الدستورية غائبة؟ ولماذا يحتفي المختفون باستكمال الأولى، ولا يطرحون السؤال عن الثانية؟

ان المشكلة في النهاية ليست أن تونس فعلت مؤسسة دستورية، بل أن استكمال مؤسسة واحدة كشف، بصورة أكثر وضوحاً، أن البناء المؤسساتي الذي يفترض أن يحمي الدستور ما يزال ناقصاً،وربما يكون السؤال الأكثر دلالة هو: هل أصبح غياب المحكمة الدستورية أمراً عادياً إلى درجة أن المحتفون يستطيعون الاحتفاء باستكمال مؤسسة دستورية دون أن يشعروا بالحاجة إلى السؤال عن المؤسسة التي يفترض أن تحمي الدستور نفسه؟

إذا كان الأمر كذلك، فإن المشكلة لم تعد فقط في غياب المحكمة الدستورية، وإنما في غياب الإحساس السياسي والمؤسساتي بضرورة وجودها

مقالات مشابهة

سبعون سنة من مكتسبات المرأة التونسية… ماذا بقي ؟

فريق النشر Echaab News

التشاركية ليست مجرد ترف ديمقراطي

فريق النشر Echaab News

الحوض المنجمي… حين ترتجف السلطة أمام ذاكرة النضال وتنتصر إرادة العمال

فريق النشر Echaab News