في السابع عشر من أوت ، تفتح الدولة نوافذها للاحتفاء بالعلم ” يوم العلم” ، وتُرفع الكلمات عن المعرفة والكفاءة والتميز ، ويُستعاد الحديث عن العلم باعتباره ثروة الأمم وشرط نهضتها .
لكن خلف هذا الاحتفال الرسمي يقف سؤال أكثر قسوة : “ماذا تفعل الدولة بالعلم حين ينتهي الاحتفال ؟؟”
فالعلم ليس مناسبة في روزنامة الدولة ولا شهادة تُعلق على الجدران ولا لقبا يُستدعى في الخطب . العلم هو عقل يتكون ، وكفاءة تُبنى ، وباحث يراكم المعرفة ، ودكتور أفنى سنواته في الجامعة ، وخريج حمل شهادة ثم وجد نفسه معطلا ، ينتظر حقه في أن يكون جزءا من وطنه .
وهنا تحديدا تبدأ جريمة إهدار العلم .
أن تنفق الدولة سنوات في تكوين المهندس والطبيب والأستاذ والباحث والدكتور… ، ثم تتركه في البطالة أو تدفعه إلى الهجرة أو تجعله يعمل بعيدا عن اختصاصه بأشكال هشة ، فذلك ليس مجرد فشل في سياسة التشغيل ، إنه إهدار متعمد لأهم ثروة يمكن أن تمتلكها البلاد : الإنسان الذي يعرف ويفكر ويبدع.
والأرقام الأخيرة تكشف حجم المفارقة. ففي الوقت الذي تتحدث فيه السلطة عن الاستثمار في الإنسان وبناء المستقبل، ارتفعت بطالة حاملي الشهادات العليا من 24.2% إلى 26.6% ، وبلغت لدى النساء من حاملي الشهادات العليا 35.6% .
وبين هذه النسب يقف آلاف الشباب بل وحتى الدكاترة والباحثون ، أمام سؤال واحد : ماذا تفعل دولة بكفاءاتها بعد أن تنتهي من تعليمها ؟!
والأشد دلالة أن هذا يحدث في بلد يُنفق على العلم ويحتفي به رسميا ، ثم يعجز عن تحويل كفاءاته إلى قوة منتجة في المجتمع . فحين يصبح الدكتور معطلا ، والباحث مهاجرا ، وصاحب الشهادة العليا أسير الانتظار ، لا يكون العلم هو الذي فشل ، إنما تكون السياسة التي قررت أن تهدره .
وحتى لا ننسى ، ليس هذا الكلام منفصل عن خطاب السلطة نفسها . ففي يوم العلم من السنة الماضية 2025 ، قال رئيس الجمهورية بوضوح إنه «لابد اليوم وبسرعة قصوى العمل على فتح آفاق رحبة وتصور حلول عادلة» لمن وصفهم بضحايا السياسات السابقة ، وأضاف أن العمل متواصل حتى يتمكن هؤلاء من حقهم المشروع في “البناء والتشييد” .
وفي حديثه عن الانتداب قال أيضا : “أول مقياس في عملية الاختيار والانتداب هو الوطنية والعطاء والتعفف والإيمان العميق بالمسؤولية الوطنية ، فمن تنقصه التجربة سيكتسبها…”
مرت سنة كاملة على ذلك الكلام . لكن الواقع اليوم يقول إن بطالة حاملي الشهادات العليا ارتفعت وإن آلاف الكفاءات ما تزال خارج دورة الإنتاج وإن قانون عدد 18 لسنة 2025 ما يزال ينتظر أن يتحول من نص قانوني إلى سياسة فعلية تُنصف من أصحاب الحق المُغتصب . وهنا لا نحتاج إلى خطب جديدة عن العلم ولا إلى مناسبة أخرى لتذكيرنا بقيمة الكفاءة .. المطلوب أن تتوقف الدولة عن معاملة العلم كرمز للاحتفال ، وأن تبدأ في معاملته كقوة وطنية يجب حمايتها واستثمارها.
لأن الدولة التي تترك أبناءها المتعلمين في البطالة ثم تراهم يغادرون البلاد واحدا بعد آخر أو يموتون في وطنهم ، لا تخسر فقط آلاف الموظفين المحتملين ، إنها تخسر سنوات من التكوين ، وأموالا عمومية ، وخبرات ، وأحلاما ، وجزءا من مستقبلها .
ومن هنا يصبح يوم العلم مناسبة لقول ما لا تريد السلطة سماعه : أنتم لا تحتاجون إلى يوم للاحتفال بالعلم بقدر حاجتكم إلى سياسة تحمي العلم من الإهدار .
نفذوا القانون عدد 18 لسنة 2025 . افتحوا باب الانتداب أمام أصحاب الشهادات الذين طال انتظارهم . أنصفوا الدكاترة والباحثين والكفاءات المعطلة . أوقفوا تحويل الكفاءة الوطنية إلى طاقة فائضة ، والهجرة إلى قدر محتوم.
فالذي يُغتال اليوم ليس الشهادة وحدها ولا فرصة العمل وحدها ، إنه العلم حين يُحرم من الإنسان الذي يحمله وحين تُترك الكفاءة بلا وطن تستثمر فيها .
غدا ستحتفل الدولة بيوم العلم.
أما نحن ، فسنذكرها بأن العلم لا يُكرم بالكلمات حين تُهدره السياسات ، وأن أخطر ما يمكن أن تفعله دولة بالعلم ليس أن تمنعه من الوصول إلى الناس ، بل أن تُعلم أبناءها ثم تمنعهم من صناعة مستقبلهم .
فحين تحتفل الدولة بالعلم في يوم ، ثم تترك أهله في البطالة بقية العام فإن المسألة لم تعد أزمة تشغيل فحسب ، إنها أزمة دولة في علاقتها بالعلم ، وبالكفاءة وبمستقبلها نفسه .
