منذ سنة 1971، تحتفل تونس بيوم العلم في السابع عشر من أوت، في موعد سنوي نكرّم فيه المتفوقين ونحتفي بالنجاح. لكن بعد أكثر من نصف قرن، يبدو أن السؤال الأهم لم يعد: من نجح؟ بل: ماذا فعلنا فعلًا بالعلم الذي راهنّا عليه، يوم جعلناه مشروعًا لبناء الدولة والمجتمع؟
بعد الاستقلال، لم يكن التعليم مجرد مرفق عمومي، بل كان مشروعًا وطنيًا واضح المعالم: مقاومة الأمية، تعميم المدرسة، بناء الجامعة، وتكوين أجيال من الأطباء والمهندسين والمدرسين والباحثين. كان الرهان أن يتحول التعليم إلى أداة للحراك الاجتماعي، وأن يصبح العلم أحد أعمدة بناء الدولة الحديثة. وقد نجحت تونس، دون شك، في توسيع قاعدة التمدرس وتكوين رأس مال بشري كان أحد أهم مكاسب الدولة الوطنية.
لكن المشكلة تبدأ حين نقيس ما تحقق بما كان يفترض أن ينتجه ذلك الاستثمار.
لقد توسعت المنظومة التعليمية، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في ضمان جودة التعلم واستمرار المسار وتكافؤ الفرص. وما تزال الأمية والانقطاع المدرسي والفوارق الجهوية تكشف أن مجرد وجود الطفل داخل المدرسة لا يعني بالضرورة حصوله على تعليم جيد أو وصوله إلى نهاية المسار التعليمي. وتكشف مؤشرات اليونسكو أن نسبة إتمام التعليم الثانوي بلغت 58% سنة 2025، مقابل 83% في التعليم الإعدادي و96% في التعليم الابتدائي. والمعنى هنا أعمق من مجرد أرقام: لقد نجحنا في تعميم الولوج إلى المدرسة أكثر مما نجحنا في ضمان استكمال المسار التعليمي. وهذه فجوة في السياسة العمومية لا يمكن اختزالها في أداء المدرسة وحدها.
المفارقة أن تونس ما تزال تحتفي بالعلم في الخطاب، بينما تتسع الفجوة بين متطلبات العالم الجديد وقدرة المنظومة التعليمية على الاستجابة لها. فالمدرسة مطالبة بتكوين أجيال قادرة على التعامل مع الذكاء الاصطناعي والاقتصاد القائم على المعرفة، في وقت ما تزال فيه الرياضيات والعلوم والتفكير النقدي والمهارات الرقمية تواجه تحديات حقيقية. وفي عالم تصبح فيه المعرفة العلمية والتكنولوجية أحد عناصر القوة والسيادة، لا يمكن التعامل مع العلوم الأساسية باعتبارها مجرد مواد دراسية. فالدولة التي لا تنتج المعرفة ستجد نفسها تستهلكها، والدولة التي لا تمتلك قاعدة علمية قوية ستظل تابعة لمن ينتج التكنولوجيا ويمتلك أدوات المستقبل.
ثم تأتي الجامعة، لقد نجحت تونس في تعميم التعليم العالي وإتاحته لشرائح واسعة، لكن هذا التوسع الكمي لم يتحول بالقدر نفسه إلى قوة بحثية قادرة على المنافسة عالميًا. ولعل أحد المؤشرات الأكثر دلالة هو تصنيف شنغهاي الأكاديمي العالمي؛ ففي أحدث نسخة من ARWU، لا تظهر جامعة تونسية ضمن أفضل ألف جامعة في العالم، في حين كان آخر ظهور لجامعة تونس المنار ضمن الشريحة 901–1000 في نسخة 2024.
ولا يعني ذلك أن الجامعة التونسية لا تنتج معرفة، أو أن كل ما فيها متراجع؛ فتصنيف شنغهاي للمواد يكشف عن نقاط قوة علمية في عدد من الاختصاصات. لكن هذه النجاحات الجزئية لم تتحول بعد إلى قوة جامعية وبحثية شاملة ذات حضور دولي وازن.
وهنا تكمن المفارقة: لدينا جامعات، وباحثون، ومخابر، وإنتاج علمي، لكننا لم ننجح بعد في تحويل هذا الرصيد إلى منظومة بحثية قادرة على وضع جامعة تونسية ضمن النخبة العالمية. فكثرة المتخرجين لا تعني بالضرورة كثرة المعرفة، وكثرة الشهادات لا تعني تلقائيًا كثرة الابتكار. فالجامعة لا تُقاس فقط بعدد طلبتها وخريجيها، وإنما بقدرتها على إنتاج بحث مؤثر، واستقطاب الكفاءات، وبناء شراكات علمية، وتحويل المعرفة إلى ابتكار وقيمة اقتصادية واجتماعية.
وهنا تحديدًا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: ماذا نفعل بالمعرفة التي تنتجها الجامعة؟
تظهر واحدة من أكثر مفارقات النموذج التونسي إيلامًا: الدولة تستثمر سنوات طويلة في تكوين الطبيب والمهندس والباحث والأستاذ، ثم لا توفر دائمًا الشروط التي تجعل بقاء هذه الكفاءات خيارًا عقلانيًا. ضعف تمويل البحث، وهشاشة التجهيزات، ومحدودية الفرص العلمية والمهنية، وضعف الربط بين الجامعة والاقتصاد، كلها عوامل تجعل الهجرة، بالنسبة إلى جزء من الكفاءات، انتقالًا من بيئة محدودة الإمكانات إلى بيئة توفر شروطًا أفضل للعمل والاعتراف والتطور. نحن لا نخسر أشخاصًا فقط؛ بل نخسر جزءًا من الاستثمار العمومي في رأس المال البشري.
ولهذا فإن هجرة الكفاءات ليست قدرًا محتومًا. صحيح أن العالم كله يعيش تنافسًا على العقول، لكن السياسة الوطنية تستطيع أن تجعل البقاء خيارًا ممكنًا ومغريًا. لا يمكن أن نطلب من الباحث أن ينتج معرفة في مختبر يفتقر إلى شروط البحث، ولا من الأستاذ أن يحمل الجامعة وحده، ولا من الطبيب والمهندس أن يختارا البقاء بدافع الوطنية فقط. فالوطنية لا تعوّض غياب الأفق.
والمشكلة الأعمق أن إصلاح التعليم أصبح، في أحيان كثيرة، أسير منطق الإصلاح الإداري: هياكل جديدة، وبرامج جديدة، ورقمنة، ومجالس، ومشاريع. لكن التعليم لا يُصلح بالهياكل وحدها. فالإصلاح الحقيقي يبدأ حين نقيس أثر السياسات في النتائج: هل تحسن التعلم؟ هل تراجع الانقطاع؟ هل تقلصت الفوارق بين الجهات؟ هل استعادت العلوم والرياضيات مكانتهما؟ هل ارتفع إنتاج البحث العلمي؟ هل أصبحت الجامعة أكثر قدرة على إنتاج الابتكار؟ وهل أصبح البقاء في تونس خيارًا ممكنًا للكفاءة؟
هذه هي المؤشرات التي ينبغي أن يُحكم من خلالها على السياسة التعليمية، لا عدد المشاريع المعلنة ولا عدد النصوص الصادرة.
لذلك، فإن يوم العلم لا ينبغي أن يتحول إلى يوم للمجاملة. وتكريم المتفوقين واجب، لكنه لا يعفي الدولة من مساءلة منظومتها. والاحتفاء بنجاح فردي لا ينبغي أن يحجب طفلًا غادر المدرسة، أو شابًا يحمل شهادة ولا يجد أفقًا، أو باحثًا وجد مستقبله في بلد آخر.
العلم ليس ميدالية تُسلّم مرة في السنة، ولا شعارًا يُرفع في المناسبات؛ العلم منظومة تبدأ من مدرسة جيدة، وتمر عبر جامعة قوية، وتنتهي ببحث وابتكار واقتصاد قادر على تحويل المعرفة إلى قيمة.
ربما يكون السؤال الأصدق في يوم العلم ليس: من تفوق ؟ بل: ماذا فعلنا بالعلم الذي جعلناه يومًا مشروعًا لبناء تونس؟
المقال السابق
