الشعب نيوز/ تونس – سجل شهر جويلية 2026 تصاعداً لافتاً في نسق الحراك الاجتماعي في مختلف مناطق البلاد، لينتهي بحصيلة 1101 تحرك احتجاجي، ويشكل، حسب تقرير شهر جويلية 2026 للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، الشهر الأكثر احتقانا منذ بداية السنة، والاعلى احتجاجا بالمقارنة بنفس الفترة على مدى السنوات العشر الماضية.
ويتأكد من جديد عبر ما تم توثيقه من قبل المرصد الاجتماعي التونسي بالمنتدى، ان الارتفاع المسجل، لم يكن نتيجة قفزة ظرفية معزولة، وإنما جاء بعد عودة واضحة للاحتجاج خلال الثلاثي الثاني، اتضح خلال شهري جوان وتواصل مع أكثر حدة خلال شهر جويلية.
تطوّر عدد التحركات
فقد ارتفع عدد التحركات في جويلية بنحو 27% مقارنة بشهر جوان (867 تحركا)، وبحوالي 168% مقارنة بشهر ماي (411 تحركا)، كما تجاوز حصيلة أفريل بحوالي 83% (601 تحركا)، في حين فاق عدد تحركات فيفري بأكثر من ثلاثة أضعاف (335).
كما تكشف المقارنة بالسنوات الماضية، عن تحول نوعي في المشهد الاحتجاجي، ويعود بنا شهر جويلية 2026، الى معدل احتجاجات لم تشهده البلاد منذ السنوات الاولى لما بعد ثورة 2011. ويمكن القول ان حالة الغضب العام الشعبية التي شهدها الشهر تعتبر الاكثر احتقانا بالمقارنة بنفس الفترة من السنوات العشر الماضية.

ولاية تونس في المقدمة
على المستوى الجغرافي، حافظت ولاية تونس على صدارة الجهات التي تعرف العدد الاعلى من التحركات بـ166 تحركاً احتجاجياً، تلتها القيروان و المنستير بـ67 تحركاً لكل منهما، ثم منوبة بـ59 تحركاً، وتوزر ونابل بـ50 تحركاً لكل منهما، والمهدية وسيدي بوزيد ب 48 تحركا لكل منهما، و الكاف 43 تحركا و صفاقس 42 تحركا وبنزرت 40 تحركا و قفصة 38 تحركا و سوسة وقبلي 37 تحركا لكل منهما و اريانة وتطاوين 35 تحركا لكل منهما وشهدت جندوبة 34 تحركا والقصرين 31 تحركا وزغوان وقابس 30 تحركا لكل منهما وباجة ومدنين 29 تحركا لكل منهما لننتهي ببن عروس وسليانة اللتان سجلتا 28 تحرك في كل منهما.
توزيع يظهر ان نطاق الاحتجاجات كان واسعا، ولم يستثن أيا من الولايات ال 24 للبلاد، وان مختلف الجهات قد عاشت بشكل يومي على وقع الاحتجاج والمطالبة وإن اختلفت حدته من منطقة إلى أخرى.
كما تكشف الأرقام عن استمرار مركزية العاصمة باعتبارها فضاءً للاحتجاج، بالنظر إلى تركّز مؤسسات القرار والإدارة والخدمات الوطنية بها، في حين تعكس الاحتجاجات في الجهات الأخرى حجم المشاكل المرتبطة بالخدمات الأساسية والبطالة والبيئة والبنية التحتية.
الماء والكهرباء بـ678 تحرك
فند شهر سبعة لهذا العام، التراجع الذي عادة ما يميز الحراك الاجتماعي خلال الصائفة، ليعلن انفجاراً احتجاجياً ارتبط أساساً بتدهور ظروف العيش والخدمات الأساسية، اين تمركزت مطالب الحق في الماء الصالح للشراب والتيار الكهربائي في مقدمة الحراك.
فقد جاء انقطاع الماء الصالح للشراب في المرتبة الأولى بـ 373 تحركاً احتجاجياً، يليه انقطاع التيار الكهربائي بـ 305 تحركا احتجاجيا. ويعني ذلك أن المطلبين وحدهما قد شكلا دوافع ل 678 تحركاً، أي أكثر من 60% من مجموع التحركات المسجلة خلال الشهر
ولا يعني ذلك اختفاء الأزمة المهنية ومطالب الحق في التشغيل وتحسين ظروف العمل وصرف المستحقات..، اين جاءت هذا الشهر في مرتبة ثانية بـ 210 تحركاً، وإنما يشير إلى توسع قاعدة المطالب وانتقال مركز الثقل من الفضاء المهني إلى الفضاء المعيشي والخدماتي.
109تحرك مدني وسياسي
وسجل الشهر 109 تحرك ذو طابع مدني سياسي، تم خلالها التنديد ورفض وانتقاد احكام قضائية واعتبارها ضمن إجراءات السلطة لترهيب الأصوات المعارضة وتقييد حرية التعبير والنشاط السلمي، كما تم المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وايقاف التتبعات في حق نشطاء المجتمع المدني وسجناء الراي امام ما تعيشه البلاد من ارتفاع غير مسبوق لدرجات الحرارة الامر الذي فاقم وضاعف الوضعية المتردية لواقع السجون وما ادى الى تعكر الحالة الصحية لعدد من السجناء وخاصة منهم كبار السن، إلى جانب 32 تحركاً احتجاجاً على الأضرار البيئية الناجمة عن التلوث.
وشهد الشهر تحركات ارتبطت بالحق في النقل وفك العزلة عن بعض المناطق عبر النقل العمومي، وفي الصحة عبر تحسين وضعية المستشفيات العمومية وتوفير إطارات طبية وشبه طبية والامن وتوفير الحماية ومطالب بتوفير مياه الري وتحسين واقع الصرف الصحي..
السكان في صدارة الفاعلين
تصدر السكان القائمة بمشاركتهم في 746 تحركاً احتجاجياً، أي ما يقارب ثلثي مجموع التحركات المسجلة. ويأتي بعدهم النشطاء بـ 85 تحركاً، ثم أصحاب الشهائد المعطلين عن العمل بـ 75 تحركاً، فالعمال بـ 50 تحركاً، والموظفون بـ 39 تحركاً، ثم النقابات بـ 35 تحركاً وسائقي سيارات النقل الخاص ب 28 تحركا، كما شهد شهر جويلية تحركات للصحفيين والفلاحين والتجار، والاطباء، والمساجين، والمحامين.
ويؤشر هذا التوزيع الجديد للتحركات والفاعلين، الى اتساع قاعدة الاحتجاج خارج الأطر المهنية والنقابية التقليدية، بما يجعل الاحتجاج الاجتماعي أكثر ارتباطاً بالخدمات الاساسية العمومية وبالمشاكل اليومية للسكان.
حضور قوي للفضاء الرقمي
شكل الفضاء الرقمي او الافتراضي، إطار رئيسي للاحتجاج والتعبير عن الغضب والتنديد والمطالبة خلال شهر جويلية، وانتشرت الفيديوهات والمقاطع التي تصور وتنقل معاناة المواطن وتردي الخدمة، وشكلت مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الاعلام قناة اساسية للاحتجاج في نحو 670 تحركا اي ما يشكل أكثر من نصف الحصيلة الجملية لشهر جويلية،
وتوزعت بقية التحركات بين124 وقفة احتجاجية و95 اعتصام، و100 تحرك بين غلق الطريق والتعبير عن السخط والغضب وحرق عجلات مطاطية وسط الطريق، و41 اضراب و39 حمل شارة حمراء و11 اضراب عن الطعام و11 نداء استغاثة الى جانب تهديد بوقف العمل وتهديد بالانتحار ومسيرة سلمية ويوم غضب..
الى من توجه المطالب
وتشير نتائج عمل فريق المرصد الاجتماعي التونسي، الى حضور قوي للقطاع العمومي ومؤسسات الدولة ضمن الطرف الذي توجه إليه المطالب، اذ تشكل مقرات الوزارات والمندوبيات والمنشآت العمومية (الماء والكهرباء) والمعتمديات والبلديات ورئاسة الحكومة، الوجهة الاساسية للفاعل الاجتماعي، ما يؤكد استمرار مركزية الدولة والمؤسسات العمومية باعتبارها الجهة الرئيسية المطالبة بالتدخل والاستجابة للمطالب، سواء تعلق الأمر بالماء والكهرباء أو التشغيل والخدمات أو تسوية الوضعيات المهنية.. كما يضع في نفس الوقت السلطة، رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية، والمؤسسات العمومية أمام اختبار حقيقي لمدى قدرتها على الاستجابة للمطالب المرفوعة من قبل الفاعل الاجتماعي.
