42.8 C
تونس
30 أوت، 2026 15:44
جريدة الشعب نيوز
آراء حرة

عندما تصبح “المؤامرة” طريقة لإدارة الأزمة

ماذا لو لم تعد الدولة تدير الأزمات الاقتصادية والاجتماعية فقط، بل أصبحت تديرها تحت غطاء “المؤامرة السياسية”؟
السؤال ليس في ما إذا كانت المؤامرات موجودة أم لا. فالدول قد تتعرض فعلا لضغوط واستهدافات وصراعات، وتتقاطع حولها مصالح متعددة. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول “المؤامرة” من فرضية تحتاج إلى إثبات، إلى تفسير جاهز لكل أزمة، وكل احتجاج، وكل فشل في السياسات العامة.
عندها يتغير السؤال من: كيف نعالج الأزمة؟
إلى: من يقف وراء الأزمة؟
ومن أزمة إلى أخرى، قد يجد المواطن نفسه محاصرا بارتفاع الأسعار، وانقطاع الماء والكهرباء، وتراجع الخدمات، والبطالة، والقلق على المستقبل، ثم يُطلب منه، قبل كل شيء، أن يفهم «المؤامرة».
لكن المواطن لا يعيش داخل المؤامرة.
المواطن يعيش داخل فاتورة الكهرباء، وطابور الماء، وكلفة الغذاء، والمستشفى، ووسائل النقل، والمدرسة، وسوق الشغل.
وهنا تبرز المسألة الأعمق: لماذا تصرّ الدولة على أن تكون المسار السياسي الوحيد؟ ولماذا يبدو المجال العام، أحيانًا، وكأنه لا يحتمل إلا مسارًا سياسيًا واحدًا، ورؤية واحدة، وقراءة واحدة للأزمة؟
وهل المواطن مجرد موضوع للسياسات العمومية، يُطلب منه الامتثال والصبر والتحمل، أم أنه شريك فعلي في صياغة الخيارات التي تحدد حياته ومستقبله؟
وهل المواطن مجرد رعية في دولة أبوية، أم أنه مواطن كامل الحقوق، وشريك في الشأن العام؟
بالطبع لا يمكن أن يكون المواطن ملكيةً للدولة، ولا أن تكون الدولة وصيةً على وعيه أو خياراته. فالدولة، في جوهرها، مؤسسة لخدمة المجتمع، وتنظيم مصالحه، وحماية حقوق أفراده وحرياتهم.
وفي الديمقراطيات المستقرة، لا يُنظر إلى الاختلاف الاجتماعي والسياسي باعتباره عطبًا يجب إسكاتُه، بل باعتباره جزءًا من آليات إنتاج الحلول. ولذلك لا يكون الحوار الاجتماعي والسياسي ترفًا، وإنما أداة أساسية لفهم الأزمات وإدارتها، قبل أن تتحول إلى انفجارات اجتماعية.
المشكلة، إذن، ليست في وجود «المؤامرة» أو نفيها.
المشكلة تبدأ عندما تتحول «المؤامرة» إلى بديل عن تشخيص الاختلالات البنيوية، وإلى ذريعة لتجنب الأسئلة الحقيقية.
فإذا كان الاقتصاد يعاني، فنحن بحاجة إلى إصلاح اقتصادي.
وإذا كانت الخدمات العمومية تتراجع، فنحن بحاجة إلى إصلاح إداري ومؤسساتي.
وإذا كان المجتمع غاضبًا، فنحن بحاجة إلى الاستماع إليه وفهم أسباب غضبه.
وإذا فقد المواطن الثقة، فلا يكفي أن نطلب منه مزيدًا من الصبر؛ بل يجب أن نسأل: لماذا فقد ثقته أصلًا؟
لأن إدارة الأزمة لا تعني فقط التحكم في نتائجها الآنية، وإنما تعني، قبل ذلك، معالجة أسبابها.
وإذا ظللنا نطفئ الحرائق واحدةً بعد أخرى، بينما نرفض الاقتراب من مصدر النار، فسنجد أنفسنا أمام دولة تتقن إدارة الأزمات، لكنها تعجز عن وقف إنتاجها.
فهل حان الوقت فعلًا للانتقال من إدارة الأعراض إلى معالجة الاختلالات من جذورها؟
وهل حان الوقت لكي يصبح الحوار الاجتماعي والسياسي جزءًا من بنية إدارة الدولة للأزمات، لا مجرد رد فعل عندما تصل الأزمة إلى الشارع؟
لأن الدولة القوية ليست التي تنجح دائما في احتواء الغضب، وإنما التي تمتلك القدرة على فهم أسبابه، ومعالجة جذوره، وفتح المجال أمام المجتمع للمشاركة في صناعة الحلول.

مقالات مشابهة

في شركة الفسفاط: وصفة لانهيار مؤسسة و لتحويل العامل الى كبش فداء 

فريق النشر

من ينجب تونس الغد؟ : تراجع الخصوبة والتحول الديموغرافي يعيدان تشكيل التضامن الاجتماعي

فريق النشر Echaab News

انقطاع الكهرباء: تفسيره التقني معروف لكن من يدفع ثمنه؟

فريق النشر