الشعب نيوز / نصر الدين ساسي – احتضن الاتحاد العام التونسي للشغل، اليوم السبت 5 سبتمبر 2026، ورشة تفاعلية خُصصت لبحث رهان تطوير النظام الأساسي وبيئة العمل وأهمية بعث مرصد نقابي في هذا المجال، وذلك بمبادرة من الجامعة العامة لأعوان وموظفي وزارة العدل وأملاك الدولة والملكية العقارية، وبإشراف قسم الحماية الاجتماعية والقطاع غير المنظم.
و إنطلقت الورشة برئاسة الأخ بولبابة السالمي، الأمين العام المساعد للاتحاد المسؤول عن الحماية الاجتماعية والقطاع غير المنظم وحضور الأخ أحمد الجزيري، الأمين العام المساعد المسؤول عن قسم الدراسات والتوثيق، إلى جانب عدد من الإطارات النقابية والمهنيين من قطاع العدلية والنقابيات والنقابيين .
وتندرج هذه المبادرة ضمن مشروع الجامعة العامة لأعوان العدلية وأملاك الدولة والملكية العقارية بإشراف الأخ هيثم المحجوبي الكاتب العام وذلك في إطار الحرص النقابي الهادف إلى الانتقال من معالجة المطالب المهنية بصورة جزئية إلى بناء رؤية متكاملة لتطوير القطاع، وتحسين ظروف العمل، ومراجعة النظام الأساسي، ورصد المخاطر التي تهدد صحة العاملين ونجاعة المرفق القضائي.

– بولبابة السالمي: لا إصلاح شكلي للعدلية
وفي افتتاح أشغال الورشة، أكد الأخ بولبابة السالمي أن هذه الندوة جاءت بطلب من الجامعة العامة لأعوان وموظفي وزارة العدل وأملاك الدولة والملكية العقارية، باعتبارها محطة للنقاش الجدي والمسؤول حول رهان تطوير النظام الأساسي لأعوان قطاع العدلية وبيئة العمل وآفاق القطاع.
وشدد على أن الحديث عن حاضر العدلية ومستقبلها لا يمكن أن يتم بمعزل عن تاريخ هذا القطاع وموقعه في تاريخ الحركة النقابية التونسية، مذكراً بأن العدلية كانت ولا تزال فضاءً لنضالات أجيال من النقابيين الذين آمنوا بأن العمل النقابي يتجاوز الدفاع عن الأجر والمنحة والترقية، ليكون دفاعاً عن الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية.
واستحضر في هذا السياق المناضل الصادق الشايبي، أحد رواد الحركة النقابية الوطنية، والذي تولى الكتابة العامة لجامعة الموظفين التونسيين وكانت له أدوار في قيادة الاتحاد عند تأسيسه، معتبراً أن استحضار تجربته هو استحضار لمدرسة نضالية التقت تاريخياً مع تجربة الزعيم النقابي فرحات حشاد ورفاقه في بناء الحركة النقابية الوطنية.
وأضاف أن هذا الإرث التاريخي يحمّل النقابيين اليوم مسؤولية مواصلة الدفاع عن الحقوق وعن الدولة الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظرف الوطني الدقيق الذي تعيشه البلاد.
وتوقف الأمين العام المساعد عند ما وصفه بالأزمة الاجتماعية والاقتصادية الخانقة، مشيراً إلى تكرر انقطاع الماء والكهرباء، وندرة مياه الشرب المعلبة، وارتفاع الأسعار، ونقص المواد الأساسية، وتآكل المقدرة الشرائية مبرزا في ذات السياق أهمية البيان المشترك الصادر يوم 3 سبتمبر عن الاتحاد العام التونسي للشغل والهيئة الوطنية للمحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، معتبراً أنه عكس موقف هذه المنظمات من الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ومن تراجع الحقوق والحريات وأكد أيضا أن الخروج من الأزمة لا يكون بمنطق الصوت الواحد والإقصاء، وإنما بالحوار والتشاركية وتوسيع قاعدة التشاور.
وأشار إلى أن الهيئة الإدارية الوطنية المرتقبة ستبحث سبل توسيع دائرة التشاور بين المنظمات والجمعيات الوطنية، إلى جانب الأشكال النضالية المستقبلية دفاعاً عن الدولة الاجتماعية وشدد في هذا الإطار على أن المسؤولية النقابية تفرض المحافظة على الوحدة، ورفع منسوب الوعي، والدفاع عن الحوار الاجتماعي ورفض كل محاولة لتهميش الهياكل النقابية أو اختزال دورها في الجانب المطلبي فقط.
– المخاطر النفسية والاجتماعية : بيئة العمل تحت المجهر
انطلقت أشغال الورشة بمداخلة للأستاذ عدنان الحنشي حول «المخاطر النفسية والاجتماعية في العمل: سبل الوقاية وتقديم المرصد النقابي للصحة النفسية وتحسين بيئة العمل لسلك كتبة المحاكم من الصنف المهني».
وفتحت هذه المداخلة أحد الملفات التي غالباً ما يتم إغفالها عند الحديث عن ظروف العمل، والمتمثل في تأثير بيئة العمل على الصحة النفسية والاجتماعية للعاملين، وما يمكن أن ينتج عن ضغوط العمل وتراكمها من انعكاسات على العامل وعلى جودة الأداء المهني.
كما طرحت المداخلة فكرة المرصد النقابي للصحة النفسية باعتباره آلية يمكن أن تساعد على رصد المخاطر المهنية وتشخيصها ومتابعتها، وتحويل المعطيات المتصلة بواقع العمل إلى قاعدة تساعد المنظمة النقابية على التدخل والوقاية واقتراح الحلول.
ومن هذه الزاوية، لا يقتصر تحسين بيئة العمل على توفير الظروف المادية فقط، وإنما يشمل أيضاً الصحة النفسية، والعلاقات المهنية، وضغط العمل، والاستقرار الوظيفي، والاعتراف بالمجهود والكفاءة، وهي عناصر مترابطة تؤثر مباشرة في أداء المرفق.

– تطوير النظام الأساسي… من المطالب إلى التصور
وفي المداخلة الثانية، قدم الأستاذ عبد السلام النصيري جملة من مقترحات تطوير النظام الأساسي لكتبة المحاكم من الصنف العدلي، بما يفتح النقاش حول الإطار القانوني والترتيبي الذي ينظم المسار المهني لأعوان القطاع.
ويكتسي هذا المحور أهمية خاصة باعتبار أن النظام الأساسي ليس مجرد نص قانوني يحدد الحقوق والواجبات، وإنما هو الإطار الذي ينظم المسار المهني للعامل، ويحدد شروط الارتقاء والتطور والتكوين والتقييم، ويؤسس للعلاقة بين المسؤوليات والحقوق المهنية.
ومن ثم، فإن تطويره يفترض أن ينطلق من تشخيص فعلي للتحولات التي عرفها القطاع وللصعوبات التي تواجه العاملين، وصولاً إلى نظام أكثر قدرة على الاستجابة للواقع المهني وعلى تثمين الكفاءات وتحقيق العدالة المهنية.

– نحو مرصد نقابي وخارطة طريق
وتحولت الورشة بعد المداخلات إلى نقاش عام أتاح للمشاركين طرح مشاغلهم وملاحظاتهم حول واقع القطاع، قبل المرور إلى صياغة الردود والتوصيات.
ومن المنتظر أن تساهم مخرجات النقاش في بلورة تصور نقابي أكثر وضوحاً بشأن مراجعة النظام الأساسي وتحسين ظروف العمل، إلى جانب تطوير فكرة المرصد النقابي بما يجعله أداة للرصد والتشخيص والمتابعة.
وأكد الأخ بولبابة السالمي في ختام كلمته أن المطلوب ليس إصلاحاً شكلياً، وإنما إصلاح يعيد الاعتبار للعاملين في العدلية، ويطور المرفق، ويضمن العدالة المهنية والاجتماعية.
فالنقاش حول النظام الأساسي، وفق هذا التصور، لا يتعلق بنص قانوني فقط، بل يتعلق بمكانة العامل وكرامته ومساره المهني، كما يتعلق بنجاعة مرفق العدالة ومستقبله.
وبين تطوير النظام الأساسي، وتحسين بيئة العمل، ورصد المخاطر النفسية والاجتماعية، وإعادة تعريف دور كتبة المحاكم في صناعة نجاعة التقاضي، تطرح الورشة سؤالاً أوسع: كيف يمكن بناء عدلية أكثر نجاعة من خلال الاستثمار في العاملين فيها وضمان حقوقهم المهنية والاجتماعية؟
وهو سؤال يجعل من مخرجات هذه الورشة، وليس فقط من أشغالها، محطة مهمة في اتجاه إعداد خارطة طريق نقابية لإصلاح القطاع.
عدسة منتصر العكرمي
