جريدة الشعب نيوز
نقابيوطني

الضمان الاجتماعي: مرجعيات التأجير وعلاقتها بالاستخلاص

تعود آليات التصرف في الموارد البشرية في شتى قطاعات النشاط بتونس سواء من حيث التصنيف المهني أو ضبط نظم التأجير وتوابعه أو كذلك فيما يتعلق بتطور الحياة المهنية بالترقية في السلك أو الخطة أو الوظيفة. تعود كل هذه الأوجه الخاصة بحقوق الأجير وعلاقته بالمؤجر والتشريع الاجتماعي والشغلي إلى العديد من المرجعيات التنظيمية والإجرائية بداية من القانون العام للوظيفة العمومية وما بقي منه نافذا مروراً بالنظام الأساسي العام لأعوان المؤسسات والمنشآت العمومية وما تفرع عنه من أنظمة أساسية تحدد الامتيازات الخصوصية.
وتمثل مجلة الشغل في نطاق موازٍ المرجعية التشريعية الأساسية التي انبنت عليها خصوصيات الاتفاقيات الإطارية والمشتركة والقطاعية التي تنظم العلاقات الشغلية وأنظمة التأجير وسند الامتيازات التي تتوزع حسب القطاعات وأوجه النشاط ونوعية رأس المال المستثمر والذي يمثل الأعراف ومنظماتهم.
المدخل الاساسي
لقد تطرقنا في المقالات التمهيدية السابقة إلى الدور المحوري لمسار الاستخلاص الذي يبقى المدخل الأساسي لتشريح وضعية الصناديق الاجتماعية وبلورة تصورات لشتى توجهات الإصلاح في مجال الضمان الاجتماعي تحديداً والحماية الاجتماعية عموماً.
ويتجلى من خلال تحديد المفاهيم والمصطلحات وضبط سبل التصرف في الخدمات من خلال مدى تطور تاريخية الضمان الاجتماعي في علاقة بالتغيرات الاجتماعية والتحولات الديمغرافية وأسباب أشكال العمل، مقتضى علاقات موازين القوى بين أطراف الإنتاج في محيط دولي معولم وسريع التحول، بمفعول محرك المصلحة الطبقية والتطور التكنولوجي والثورة الرقمية التي ساهمت في تشكيل خارطة هذا المشهد.
لكن ما هي العلاقة بين هذه المقاربات التعريفية من جهة وبين مسار الاستخلاص من جهة أخرى؟
الملاحظة الأولى التي تتجلى منطقياً وعملياً تهم دواعي كل هذه التفرعات والتنوعات في بلد لا تتجاوز فيه القوى العاملة بعض الملايين بما في ذلك أصحاب الجرايات الحاليين والمتوقع إحالتهم على التقاعد في القطاعين.
مواجهة تكلس الإدارة التقليدية
وتعود أسباب تنامي هذه الظاهرة السلبية إلى تواتر المفاوضات والمراجعات وانتهاج سياسة الترقيع والتوظيف دون البحث عن إرساء منظومة تأجير متجانسة وعادلة ومجزية وقابلة للتطور دون الحاجة إلى تشتت المرجعيات وتباعد الامتيازات وتعقيد إجراءات المصادقة الشكلية لهيئات حكومية غير مؤهلة وظيفياً للمراقبة والتعديل ضمن توجه وطني يفترض أن يكفل تبسيط الإجراءات وشفافية الهيكلة التنظيمية وحوكمة سبل التصرف باعتماد الرقمنة والاستثمار في تطوير المهارات وتجديد التجهيزات والمنظومات الإعلامية.
من هذا المنطلق تجد منظومة الحسابات الفردية صعوبات هيكلية في مواجهة تكلس الإدارة التقليدية التي تجرّ إلى قوى الشد إلى الوراء حفاظاً على الواقع والمصالح.
ويمكن أيضاً تفسير الجمود النسبي للقاعدة التشريعية التي لا بد أن تتأسس عليها منظومة الحسابات الفردية بضعف المرجعية ومحدودية الإمكانيات الفنية والمادية للمشروع الذي يستوجب نصاً قانونياً أساسياً في شكل استراتيجية وطنية لها موارد التمويل وهيئة قيادة تتكون من كفاءات تحديثية ومواكبة للتحولات التكنولوجية والأهداف الرقابية لهذا المشروع السياسي بامتياز نظراً لخطورته الإيجابية ودوره في سلامة مسار الاستخلاص القادر على إحكام التنظيم والرقابة والمساندة والمرافقة لفائدة المؤجر والأجير من خلال دراسة مشروع الحسابات الفردية بل والمشاركة الوظيفية فيه وبفضل المقاربة النقدية والتقييمية.
اختلالات لا تخدم هدف الإصلاح
إن تجربة الحسابات الفردية في تونس تستوجب مدى التشتت والتباعد وعدم التجانس، ما خلق تفاوتاً تقديرياً ودعم الفئوية القطاعية خاصة بالقطاع العمومي، ولم ييسر المهام الرقابية ودور الهياكل والهيئات الممثلة للأطراف الاجتماعية لمفاوضات حققت مكاسب وامتيازات لكنها أهملت في المقابل قيم العدالة الاجتماعية وهمشت أهداف التحفيز وروح المسؤولية لدى الكفاءات والإطارات بمن فيهم أصحاب المسؤولية الأولى في التسيير.
هذه الاختلالات لا تخدم هدف الإصلاح بل تجعل مراكز التصرف سواء للنشطاء أو الصناديق الاجتماعية في وضعية معقدة لا يمكن التحكم فيها بصفة تقديرية في غياب كفاءات فاعلة وملتزمة بالموضوعية والحياد الوظيفي نظراً لما خلقته حقبة الترويكا من توظيف في الانتداب والترقية على غرار ما يشهده الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية على مستوى إدارة المرجعيات التي تعتبر في الأصل الرافعة وجدول قيادة المؤسسة حيث يتصرف الصندوق في كل أنظمة التأجير ويمسك نظرياً بسجلات ترميز المنح والامتيازات.
خارج السيطرة
لكن الوضعية حالياً خرجت عن السيطرة واتجه المضمون الاجتماعي إلى التقاضي أمام انتهاج الصمت موقفاً للتهرئة واستنزاف قدرة المدعي على التقاضي الثقيل والتنفيذ المستعصي.
لعل فرصة المراجعة لا تزال قائمة، ووعد الإصلاح يبقى قائماً حتى تجد منظومة الحسابات الفردية الإطار الأمثل للانطلاق خارج نطاق الدعابة والتوظيف بما يمكن من مراجعة نظم التأجير بهدف التبسيط واحترام الإجراءات وتنظيم سبل التصرف والرقابة.
—–
* نشر في عدد الشعب الورقية المؤرخ في 3 سبتمبر 2026.

مقالات مشابهة

كان يستعد لحوار اذاعي حول الماء: ايقاف الصحفي محمد اليوسفي

فريق النشر

الهيئة الإدارية الجهوية بتونس تدعو الى تفعيل قرار الإضراب العام

فريق النشر Echaab News

موظفو بنك تمويل المؤسسات الصغرى والمتوسطة يصعدون احتجاجاتهم

فريق النشر Echaab News