30.8 C
تونس
9 سبتمبر، 2026 23:26
جريدة الشعب نيوز
وطني

العودة المدرسية (5): المدرس الذي يطلب منتجاً معينا قد يتحول إلى قناة إعلانية

الشعب نيوز/ الهادي راشذ حشوش – إذا كانت كلفة اللوازم المدرسية قد أصبحت عبئاً متزايداً على الأسر، فإن مسؤولية الدّولة لا يمكن أن تقتصر على الإعلان عن أسعار مدعمة أو نشر قوائم موحدة، بل يجب أن تمتد إلى ضمان وصول هذه الإجراءات فعلياً إلى الأسر والتلميذ وتنزيلها على أرض الواقع، وهو ما يفرض تشديد الرقابة على مسالك توزيع الكراس المدعم، وتسريع التدخل ضد كل أشكال البيع المشروط والمضاربة والاحتكار.                                               وتبدأ مسؤولية الدولة أيضاً من المدرسة نفسها. فالقائمة الوطنية الموحدة التي نشرتها وزارة التربية خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها تحتاج إلى رقابة فعلية، حتى لا تتحول القوائم إلى باب خلفي لتضخيم الفاتورة مع تحديد ما هو ضروري فعلاً، ومنع المؤسسات أو المدرسين من فرض علامة تجارية بعينها.

توفير بدائل منظمة وبأسعار مقبولة

 فالمدرس الذي يطلب منتجاً باسم علامة تجارية لا يمارس خياراً بيداغوجياً بالضرورة، بل قد يتحول -ولو بصورة غير مباشرة- إلى قناة إعلانية داخل المدرسة.                                                                                               وفي التعليم الخاص، تصبح الحاجة إلى الشفافية أكبر، خصوصاً عندما تُضَاف إلى الكتب الرسمية كتب ومراجع أجنبية باهظة الثمن، أو قوائم من اللوازم لا تبدو دائماً متناسبة مع الحاجة التعليمية الفعلية.
أما السوق الموازية، فلا يكفي التعامل معها بمنطق المطاردة والعقاب فقط. فاللجوء إليها هو، في جانب منه، نتيجة مباشرة لضغط الأسعار. لكن ذلك لا يلغي المخاطر الصحية المرتبطة بمنتجات مجهولة المصدر، خصوصاً بالنسبة للأطفال. لذلك يجب تكثيف الرقابة الصحية والفنية على هذه المنتجات ومصادر توريدها، بالتوازي مع توفير بدائل منظمة وبأسعار مقبولة؛ إذ يصعب بل يستحيل مطالبة أسرة محدودة الدخل بالامتناع عن شراء منتج أرخص دون معالجة السبب الذي دفعها للجوء إليه أصلاً.

حملة توعوية متواصلة طوال فترة العودة المدرسية
وتتحمّل الدولة كذلك مسؤولية أكبر في التواصل. فالقائمة الرسمية الموحدة ينبغي ألا تبقى منشورة على موقع الوزارة وصفحتها على الفايسبوك فقط، بل يجب تحويلها إلى حملة توعوية متواصلة طوال فترة العودة المدرسية، عبر التلفزيون والإذاعة ومواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة المنصات التي تستخدمها الأسر والتلاميذ. كما يمكن إطلاق برامج لجمع الكتب المستعملة وإعادة توزيعها، وتشجيع تبادلها بين الأسر، وإعادة استعمال الورق والكراسات، بل وحتى مراجعة بعض الممارسات البيداغوجية بما يسمح، حيثما كان ذلك ممكناً، باستعمال الكراس نفسه لأكثر من مادة بدل تضخيم عدد الكراسات.
وفي النهاية، ينبغي أن يعود النقاش إلى السؤال الأساسي: ما الذي نريد أن نشتريه عندما نشتري لوازم مدرسية؟ كراساً بـ25 ديناراً لدرس يستعمل كتاباً لا يتجاوز سعره بضعة دنانير؟ محفظة بـ400 دينار؟ أم أداة تساعد الطفل على القراءة والكتابة والحساب واكتساب اللغات والمعارف والمهارات؟ فالمستلزمات المدرسية، نكررها، وسيلة وليست غاية، ولا ينبغي أن تتحوّل العودة المدرسية إلى مسابقة استهلاكية وتخمة تسويقية تقيس قدرة الأسرة على الإنفاق بدل أن تقيس قدرة المدرسة على التعليم والتلقين. ويجب أن يكون دور الدولة في النهاية هو ضمان أن تكون كلفة التعلم مرتبطة بالحاجة البيداغوجية، لا بالقدرة الشرائية للأسرة ولا بقوة العلامة التجارية.

منظومة استهلاكية موسميّة
إذن، تكشف قراءة كلفة اللوازم المدرسية من زواياها المختلفة كما بيننا أن المسألة لم تعد مجرد ارتفاع في أسعار بعض الأدوات، بل أصبحت جزءاً من منظومة استهلاكية موسميّة تتحمّل الأسر تبعاتها، ما يجعل عائل الأسرة أمام كلفة لا يَملك دائماً القدرة على التحكم فيها أو حتى تفسيرها. ويزداد الأمر إشكالاً عندما يتحول بعض ما يُقدّم باعتباره حاجة تعليمية إلى ممارسة أقرب إلى التسويق والاستهلاك منها إلى الضرورة البيداغوجية. وكل ذلك يطرح مفارقة أساسية: كيف نتحدث عن مجانية التعليم، وهي مبدأ دستوري راسخ في الفصل 57 تحديدا، بينما تتزايد الكلفة الفعلية للتمدرس التي تتحملها الأسرة؟ فالمجانية لا تُقاس فقط بغياب معلوم التسجيل، بل أيضاً بمدى قدرة الأسرة على تحمل مستلزمات المدرسة دون أن تتحول إلى عِبْء اقتصادي.

(انتهى)
يمكن مراجعة المقال كاملا في عدد الشعب الورقية الصادر بتاريخ 3 سبتمبر 2026.

مقالات مشابهة

معتقلو أسطول الصمود بالمرناقية يعلنون الدخول في إضراب جوع مفتوح للمطالبة بالإفراج عنهم

فريق النشر Echaab News

منظمات وجمعيات تونسية تطالب بالإفراج عن الصحفي محمد اليوسفي وإسقاط التهم الموجهة إليه

فريق النشر Echaab News

الأورومتوسطية للحقوق تطالب بالإفراج عن محمد اليوسفي ووقف الملاحقات التعسفية ضد الصحفيين

فريق النشر Echaab News