الشعب نيوز/ تونس – من الصعب، عند تناول كلفة التعليم الخاص في تونس، اختزالها في رقم واحد او رقمين إذ أن الفارق بين المؤسسات كبير إلى درجة تجعل الحديث عن متوسط أو معدل وطني واحد لا يستقيم إحصائيا. فهناك مدارس خاصة تعتمد البرنامج التونسي وتبقى في حدود بضعة آلاف من الدنانير سنويًا، وهناك مؤسسات ثنائية اللغة أو تعتمد مناهج تعليمية أجنبية تتجاوز فيها المعاليم السنوية عشرة آلاف دينار، بل يمكن أن ترتفع أكثر بكثير بحسب المستوى والخدمات المقدمة.

13 الف دينار فى السنة واكثر
وتكشف المعاليم المنشورة على الواب لبعض المؤسسات عن حجم هذا التفاوت. مدرسة خاصة مرموقة بصفاقس، مثلًا، تحدد للمرحلة الابتدائية في السنة الدراسية 2025ـ2026 معلوم دراسة قدره 9095 دينارًا سنويًا، يضاف إليه 850 دينارًا للمستلزمات المدرسية و2200 دينار للمطعم و1200 دينار للحضانة، فضلًا عن معاليم التسجيل وإعادة التسجيل والاختبارات. أي أن الفاتورة يمكن أن تتجاوز 13000 دينار قبل احتساب النقل أو بعض الأنشطة والخدمات الأخرى. وفي مؤسسة أخرى بسوسة، تبلغ كلفة الدراسة الابتدائية 11000 دينار، تضاف إليها 800 دينار معلوم تسجيل سنوي و2200 دينار للمطعم و850 دينارًا للخدمات المدرسية و850 دينارًا للحضانة، أي قرابة 15700 دينار قبل احتساب المصاريف التكميلية. حاولنا جرد هذه الأرقام في الجدول المصاحب.
باقة خدمات تعليمية وزمنية واجتماعية
فالولي هنا لا يدفع معلوم الدراسة فقط. هناك معلوم التسجيل أو إعادة التسجيل يدفع كل سنة، والكتب حين تفرض المؤسسة كتبًا أجنبية تقتنيها مسبقا، والزي المدرسي (“الطبليّة”)، والنقل اختياريا، والمطعم، والحضانة بين الحصة الصباحية والمسائية وبعد الدوام حتى قدوم الأولياء، والنوادي، والأنشطة الرياضية والثقافية، والرحلات، والولوج للمنصات الرقمية، وأحيانًا الدروس التكميلية. وبعض هذه المصاريف اختياري نظريًا، لكنه يصبح شبه إلزامي عمليًا عندما يتحول إلى جزء من التجربة التعليمية التي تعرضها المؤسسة او حين يجد التلميذ نفسه الوحيد دون أترابه مترفعا عنها.
وبذلك تصبح المدرسة الخاصة، بالنسبة إلى الأسرة، باقة خدمات تعليمية وزمنية واجتماعية، لا مجرد مكان يقضي فيه الطفل ساعات الدرس لتحصيل العلم والتكوين. وهنا تظهر المخاتلة المالية الأهم: عندما يقال إن الأسرة تدفع 500 أو 700 أو 1000 دينار شهريًا، فإن الرقم الشهري قد يخفي الكلفة الحقيقية. فالأكثر دلالة هو تحويل كل هذه المصاريف إلى فاتورة سنوية، أي حزمة كاملة، ثم مقارنتها بدخل الأسرة أو بالأجر الأدنى. عندها يمكن تقييم كلفة التمدرس مقارنة بالقدرة الشرائية لعائل الأسرة.
استثمار عائلي كامل في تعليم طفل واحد
والأهم أن هذه القدرة لا تتوزع بالتساوي بين الأسر ولا بين الجهات. فالمدرسة الخاصة في الدواخل ليست بالضرورة المدرسة الخاصة نفسها في تونس أو سوسة أو الضواحي الشمالية للعاصمة، كما أن المدرسة ذات البرنامج التونسي ليست المدرسة الدولية، والمدرسة التي تكتفي بالتدريس ليست تلك التي تبيع النقل والمطعم والحضانة والنوادي ضمن باقة خدمات متكاملة. لذلك فإن الحديث عن «سعر التعليم الخاص» يخفي وراءه في الحقيقة سوقًا شديدة التفاوت والتعقد، تمتد من تعليم خاص محدود الكلفة إلى مؤسسات تصبح فيها الفاتورة السنوية أقرب إلى كلفة استثمار عائلي كامل في تعليم طفل واحد ومراهنة على مستقبل أفضل له.
لكن هذه السوق لم تظهر من فراغ، ولم تصبح المدرسة الخاصة بين عشية وضحاها قدر العديد من التونسيين. فهي تعكس تحوّلًا أعمق في موقع المدرسة نفسها داخل المشروع المجتمعي للدولة: من مدرسة عمومية كانت في جوهر بناء الدولة الوطنية أداة للتوحيد وتكافؤ الفرص، إلى منظومة أصبحت فيها الدولة تتقاسم تدريجيًا أدوار التعليم مع الخواص. فمتى بدأ هذا التحول؟ وما الذي دفع إليه؟ وكيف انتقلت تونس من نموذج تكاد فيه المدرسة العمومية تحتكر المشهد التعليمي إلى نموذج تتعايش فيه المدرسة العمومية مع سوق تعليمية خاصة تتسع سنة بعد أخرى؟
(يتبع)
