بقلم حسين العمامي – ساعات معدودة ، وتعود الحياة إلى المدارس والمعاهد، ويستأنف التلاميذ والمربّون سنة دراسية جديدة. يفترض أن تكون موعدًا عاديًا يتكرر منتصف سبتمبر من كل عام، لكن بدايتها هذه السنة تأتي في ظروف تستحق التوقف عندها، سواء من حيث جاهزية المؤسسات التربوية، أو توفر الإطار التربوي، أو كلفة التمدرس، أو قدرة المدرسة العمومية على توفير ظروف ملائمة للتعلّم.
لقد أعلنت الدولة من خلال وزارة التربية جملة من الإجراءات استعدادًا للعودة المدرسية، شملت الموارد البشرية والبنية التحتية والنقل والمساعدات الاجتماعية والرّقمنة. لكن بين الجاهزية المعلنة وما يظهر على أرض الواقع، ما تزال هناك نقائص وإشكاليات، بعضها جديد وبعضها الآخر يتكرّر من سنة إلى أخرى.
⚫ كلفة العودة… في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية
تأتي العودة المدرسية هذه السنة في ظرف اقتصادي صعب، يتميز بتراجع القدرة الشرائية وارتفاع كلفة المعيشة، بعد صيف استثنائي أثقل ميزانيات العديد من العائلات بمصاريف إضافية.
ومع بداية السنة الدراسية، تجد الأسرة نفسها أمام قائمة طويلة من المصاريف: أدوات مدرسية ، رسوم تسجيل، ملابس، مصاريف النقل،.. وغيرها من الحاجيات المرتبطة بالتمدرس. وتصبح الفاتورة أثقل بالنسبة إلى العائلات التي لديها أكثر من ابن في سن الدراسة.
المشكلة ليست فقط في قيمة المصاريف، وإنما في قدرة الأسرة على تحملها دون المساس بحاجيات أساسية أخرى. في حين تتراجع القدرة الشرائية، فتصبح العودة المدرسية موعدًا ضاغطًا على ميزانية الأسرة، وقد تتحول الفوارق الاقتصادية والاجتماعية إلى فوارق في ظروف الدراسة نفسها، و لا تكفي المساعدات الاجتماعية المعلنة للأسر ضعيفة الدّخل للحدّ منها . فالمدرسة العمومية يفترض أن تضمن تكافؤ الفرص، وهو ما يتطلب أيضًا الحد من الكلفة التي يتحملها الأولياء، وخاصة الأسر محدودة ومتوسطة الدخل.
⚫ جاهزية المؤسسات… بين التدخّلات الضرورية وتهالك البنية التحتية
فتح المؤسسة التربوية أبوابها في موعد العودة لا يعني بالضّرورة أنها جاهزة بكل المقاييس. فالمؤسسة تحتاج إلى أقسام لائقة، ومرافق صحية، وماء صالح للشراب، ونظافة وتجهيزات وظروف سلامة تسمح للتلميذ والمربّي بقضاء يوم دراسي طبيعي.في حين لا تزال أوضاع المؤسسات متفاوتة بين الجهات،و بين المناطق داخل نفس الجهة الواحدة فعدد كبير من المدارس والمعاهد في حاجة أكيدة و عاجلة الى الصيانة والتأهيل. والمشكلة لا تتعلق فقط بتوفير الاعتمادات، وإنما أيضًا بسرعة إنجاز الأشغال وجودتها واستمرارية الصيانة، حتى لا تصبح العودة المدرسية موعدًا سنويًا لاكتشاف النقائص.
فالمدرسة التي يعاني سقفها أو نوافذها أو مرافقها أو تجهيزاتها من التهالك لا يمكن أن توفر المناخ التربوي المطلوب، مهما كانت جودة البرامج والمناهج.
⚫ الاكتظاظ… حين يتحول العدد إلى عائق أمام التعلّم
الاكتظاظ ليس مجرد مسألة تتعلق بعدد التلاميذ داخل القسم، بل هو عامل يؤثر مباشرة في جودة العملية التربوية. فكلما ارتفع عدد التلاميذ، تقلصت قدرة المربّي على المتابعة الفردية، وصار التفاعل داخل القسم أكثر صعوبة.
وقد يؤدي نقص الفضاءات وارتفاع أعداد التلاميذ إلى أقسام مكتظة، خاصة في المؤسسات التي تعرف ضغطًا ديمغرافيًا متزايدًا. لذلك فإن معالجة الاكتظاظ تتطلب إحداث فضاءات جديدة ومؤسسات إضافية عند الحاجة، بالتوازي مع توفير الإطار التربوي اللازم.
⚫ نقص الإطار التربوي… لا تعليم دون مربّ
مهما كانت جاهزية المؤسسة، فإن العملية التعليمية لا يمكن أن تنتظم دون مربّين بالعدد والاختصاصات المطلوبة.
فالشغورات في بعض المواد أو الجهات تعني عمليًا أن عددًا من التلاميذ قد يبدأ السنة دون انتظام الدروس، أو أن المؤسسات ستضطر إلى اعتماد حلول ظرفية لسد النقص. كما أن التفاوت في توزيع الإطار التربوي بين الجهات والمؤسسات يمكن أن يزيد من الفوارق القائمة أصلًا.
المطلوب هنا ليس فقط معالجة الشغورات عند بداية السنة، وإنما اعتماد رؤية أكثر استقرارًا للموارد البشرية، تأخذ بعين الاعتبار حاجيات كل جهة وكل مؤسسة، وتضع حدًا للحلول الظرفية المتكررة.
⚫ النقل المدرسي… جزء من الحقّ في التّمدرس
بالنسبة إلى آلاف التلاميذ، وخاصة في المناطق الريفية، تبدأ المدرسة من الطريق إليها. ولذلك فإن النقل المدرسي ليس خدمة هامشية، بل جزء من شروط تكافؤ الفرص.و عليه فإنّ
محدودية وسائل النقل، والاكتظاظ، وبعد المؤسسات عن التجمعات السكنية، تعدّ كلها عوامل يمكن أن تجعل الوصول إلى المدرسة مشكلة يومية، وقد تؤثر في انتظام التلميذ وفي قدرته على متابعة دراسته
فمن الصعب الحديث عن تكافؤ الفرص التعليمية إذا كان بعض التلاميذ يواجهون صعوبة في الوصول إلى المؤسسة قبل أن تبدأ الحصة أصلًا.
⚫ المنصة الرقمية… الرّقمنة تحتاج إلى جاهزية
لا خلاف حول أهمية رقمنة الإدارة المدرسية وتطوير الخدمات الرقمية، لكن نجاح الرقمنة لا يتحقق بمجرد إطلاق منصة جديدة،تضاف الى منصات قديمة إنتهت الى الفشل …
فالمنصة تحتاج إلى اختبار فعلي قبل تعميمها، وإلى تكوين المستخدمين، ومرافقة المؤسسات، وسرعة التدخل لمعالجة الإشكالات التي تظهر عند الاستعمال. وقد أثار اعتماد منظومة الحياة المدرسية الجديدة تحفظات وانتقادات من الطرف النقابي، و عموم المربين و حتى الأولياء بشأن جاهزيتها وظروف اعتمادها.
المشكل إذن ليس في الرقمنة، وإنما في طريقة تنفيذها، التي تفترض تبسيط العمل وإختصار الوقت، لا أن تضيف أعباء جديدة إلى الولي و المربّي والإدارة.
⚫ غياب الحوار الاجتماعي
تبقى علاقة الوزارة بالطرف الاجتماعي إحدى النقاط التي تستحق التوقف عندها. فالتعليم قطاع يقوم على آلاف المؤسسات وعشرات الآلاف من المربّين والإداريين، وأي تغيير يمس طرق العمل أو التنظيم أو الحياة المدرسية ستكون له انعكاسات مباشرة على العاملين في القطاع.
الحوار لا يعني أن تتخلى الدولة عن مسؤولياتها أو أن تصبح النقابات صاحبة القرار، كما أن ممارسة الدولة لصلاحياتها لا تعني الاستغناء عن التشاور.
المطلوب إذن هو حوار جدي حول الملفات التي تمس الحياة اليومية للمؤسسات، بما يسمح باكتشاف النقائص قبل تطبيق القرارات، ويقلل من أسباب التوتر، ويجعل الإصلاحات أكثر قابلية للتنفيذ. هذا بالإضافة إلى ضرورة إعادة بناء جسور الثقة بين المريين و وزارتهم في ما يتعلق بعديد الملفات لعل ابرزها المتخلدات المالية و الاتفاقيات المجمدة و معالجة ظاهرة الإعتداء على المربين.
⚫ بين الجاهزية المعلنة والواقع
لا يمكن إذن اختزال العودة المدرسية في موعد فتح المؤسسات، كما لا يمكن الحكم مسبقًا على نجاحها أو فشلها. فهناك إجراءات أعلنتها الدولة، وهناك في المقابل نقائص ومشاكل متراكمة تحتاج إلى المعالجة.
والاختبار الحقيقي سيبدأ يوم عودة التلاميذ: ماذا سيجدون داخل المؤسسات؟ هل ستكون الأقسام جاهزة؟ هل سيكون الإطار التربوي متوفرًا؟ هل ستنتظم الدروس منذ الأيام الأولى؟ وهل تستطيع العائلات تحمل كلفة سنة دراسية جديدة؟
فالعودة المدرسية الناجحة ليست فقط أن تفتح المؤسسات أبوابها في موعدها، بل أن يجد التلميذ مؤسسة لائقة، ومربّيًا حاضرًا، وقسمًا قابلًا للتعلّم، ونقلًا متاحًا، وأسرة قادرة على تحمّل كلفة التمدرس.
في النهاية، لا يكفي أن نسأل: هل عادت المدارس إلى العمل؟
السؤال الأهم هو: هل توفرت شروط العودة المدرسية التي يستحقها أبناؤنا؟
