الشعب نيوز/ تونس – في الجزء الثالث والاخير من الوثيقة التي وجهها الى جميع الهياكل الوطنية والهياكل الجهوية والمحلية وكافة التشكيلات النقابية، يتطرق الاخ بهاء بن سالم المناضل النقابي الى سبل مواجهة الوضع الناجم عن ممارسات السلطة.
إنّ الصمت المطبق والممنهج، الذي دام لأكثر من سنة كاملة، والذي تنتهجه عن سابق إصرار كافة الأطراف المتدخلة في عالم الشغل – عدا مناضلي ومناضلات الاتحاد العام التونسي للشغل- إزاء هذا التعطيل المتعمد والتجميد غير القانوني لهياكل وآليات الحوار والتصالح الوجوبية، يمثل خرقًا صارخًا ومدانًا لسيادة القانون، ويشكّل تقصيرًا مركّبًا ومتعمّدًا تتداخل فيه الأبعاد القانونية والأخلاقية على حدّ سواء.
وتتحمل كافة الأطراف المتدخلة، بفعلها وبصمتها المطبق، أصالة ونيابة، سواء بالضلوع المباشر أو بالتواطؤ السلبي المدان، المسؤولية الكاملة والمباشرة عن هذه الانتكاسة الخطيرة التي خلّفت خذلانًا فادحًا لآلاف الكادحين؛ فلتسقط، أمام محراب المصلحة العليا والأمن الاقتصادي والسلم الاجتماعي للوطن، كل أوهام واجب التحفظ والتقيد الأعمى بالتعليمات غير القانونية،
فالحركة النقابية العمالية ستدوّن، بلا شك، في سجلها الخاص هؤلاء المسؤولين الذين اختاروا الصمت والاستقالة الطوعية عن واجبهم الوطني، وآثروا سدّ الشغورات والامتيازات على حساب حقوق العمال فلقد تجرّأ هؤلاء على النيل من مرفق عريق تمتد جذوره لأكثر من قرن من الزمان، خبرته الطبقة العاملة، وبنته قامات ورجال، ليؤول إلى خلف لم يجرؤوا على الذود عنه، ففقد سيادته ومهامه ومشمولاته واستقلاليته وصلاحياته القانونية.
نحو ابتكار أشكال احتجاجية تضامنية حديثة ومواكبة
و أمام هذا الانسداد التاريخي بات لزاما على النقابيين الكف عن تكرار الوصفات النضالية الكلاسيكية والتوجه نحو ابتكار أشكال احتجاجية تضامنية حديثة ومواكبة, كالنقابة الرقمية العابرة للمؤسسات ومجموعات الضغط الافتراضية و والإضرابات الذكية الموجهة للخدمات اللوجستية وصولا إلى صياغة تحالفات مع مكونات المجتمع المدني والسياسي والحقوقي وإقامة تحالفات خضراء لربط حقوق العمال بالعدالة المناخية والانتقال الطاقي العادل….
بيد أن الابتكار الأكثر حرجا وجرأة إضافة لاحتجاجات الشارع لأهميتها الكبيرة فإن احتلال أروقة المحاكم من خلال تبني استراتيجية التقاضي الاستراتيجي Strategic Litigation بالتنسيق المباشر مع قسم الشؤون القانونية وهي دعوة ملحة ومصيرية للنقابات الأساسية والهياكل لرفع قضايا إدارية وجزائية ضد كافة المصالح الإدارية والوزارات والهيئات التي تثبت تقصيرها العمدي. يجب أن لا تمر جريمة التجميد وتعطيل لجان التصالح الجهوية والمركزية دون محاسبة وهو ما يتطلب مقاضاة المسؤولين عن هذه الهياكل بصفاتهم الوظيفية وبأشخاصهم الذاتية ليعلم كل مسؤول تذرع بالتعليمات انه سيدفع ثمن خرق دولة القانون والمؤسسات من ذمته المالية و مستقبله الإداري.
بيانات التنديد الكلاسيكية على أهميتها لم تعد تجدي
وهو ما يدعو إلى أن يتخلص النقابيون من الأقتصار على إصدار بيانات التنديد الكلاسيكية على أهميتها فلم تعد تجدي بيانات المطالبة بالحوار والتفاوض مع سلطات إدارية صمت آذانها وتفردت بقراراتها لمباشرة مجابهة “إدارة التعليمات” والتي تتطلب من الهياكل النقابية الابتكار باللجوء إلى القضاء الإداري بوصفه قضاء الشرعية والمشروعية لكسر قرارات الامتناع السلبية عند القيام بالواجبات الإدارية .و انحراف السلطة الإدارية والإجراءات ومساعي تجريد النقابات من صلاحياتها وأدوارها وحرمانها من حقوقها بقرارات إدارية وتعليمات غير شرعية وغير قانونية مما يمسّ مباشرة من المركز القانوني للنقابات ومواجهة السلطة الإدارية وتوجيه التهم لها في مخالفة المعايير الدولية وعدم تطبيق القانون وإهدار المال العام وهي جرائم فساد بامتياز في ظل سلطة إدارية ترفع شعار مكافحة الفساد (مجلس الحوار الاجتماعي نموذجاً) وعلى النقابات أن تتوجّه إلى صياغة تحالفات مع مجتمعات البيئة والتكنولوجيا والحقوق… وتحويل “الحق في الحوار الاجتماعي” من مطلب فئوي إلى قضية رأي عام تمس استقرار الدولة والمجتمع برمته.
وختاماً فقد إلتقت الأزمة العالمية بالانتكاسة المحلية فبينما تفرض التحولات الكبرى (التكنولوجية، الاقتصادية، المناخية…) مرونة وحواراً يومياً لإنقاذ النسيج الاقتصادي ويبحث العالم عن توليفة مرنة لإنقاذ المؤسسات والعمال معاً عبر الحوار المستمر، اختارت السلطات التونسية مزيد الانغلاق والعودة إلى إدارة التعليمات الفوقية والأحادية وغير القانونية في استقواء واضح بالمناخ العالمي الذي يهمّش العامل ويقدّس خطوط الإنتاج السريعة.
وعليه يجب أن نمتلك الشجاعة الفكرية لنعترف بأن ما يحدث اليوم من استهداف ممنهج للعمل النقابي ومحاولات لتفكيك القلعة الحمراء الاتحاد العام التونسي للشغل من داخل المنظمة وخارجها وطنيا ودوليا.
هو مخطط رأسمالي لتصفية القلعة النقابية
ليس مجرّد قرارات إداريّة إرتجاليّة أو صراعات سياسيّة عابرة بل هو مخطط رأسمالي لتصفية القلعة النقابية تمّ هندستهُ في كواليس المؤسّسات الماليّة الدوليّة منذ ثورة 14 جانفي 2011 وما قبلها… بطابور خامس وبيادق محلية ومنه اضعاف الدعم الحكومي وندرة المواد الأساسية والإملاءات الخارجية بتحرير الأسعار وتدهور البنية التحتية والتشغيلية للقطاع العام والمنشآت العمومية التي عرفت صعوبات غير مسبوقة خلال هذه الصائفة وما يظهر من تنفيذ السلطات من تجميد للحوار الاجتماعي ليس سوى الحلقة الأحدث والأكثر شراسة في مسلسل تنفيذ هذه الأجندات المعولمة وهي معركة وجودية تفرض على قوى الإنتاج الوعي التام بخلفياتها الاستراتيجية لمواجهة تحالف رأس المال الخارجي مع آلات التعليمات الداخلية، لنستخلص الدرس المستفاد في إلتقاء المصالح بما أن الإنفراد بالسلطة إدارياً هو صنو أو الوجه الآخر للفردانية المهنية رأسمالياً فكلاهما يسعى لتفكيك “المُشترك” وتأميم ومصادرة حق الجماعة في التعبير.
وحيث إنّ الاستعجال بات قائمًا وثابتًا ومكتمل الشروط قانونًا وواقعًا، نظرًا لثبوت الخطر المحدق المهدد والمضر فعليًا بمصالح العمال والمؤسسات والوضع الاقتصادي والاجتماعي عموما، فإن الأمر بات يستوجب حتمًا التدخل العاجل والفوري من الهياكل النقابية والسلطات التنفيذية أو القضائية بصفة متأكدة، لرفع هذا الضرر الجسيم دون إبطاء، وحظر وإيقاف كل مساس بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية للعمال، وبسط الحماية اللازمة والفعلية، وإعلاء قيم الحق والعدل والإنصاف فالكرامة العمالية فوق كل اعتبار.(انتهى)
المقالان السابقان:
- نصيحتي للنقابيين(1): عشرة تحوّلات لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها أزمات منفصلة – جريدة الشعب نيوز
- نصيحتي للنقابيين (2): تصعيد السلطة ضد الاتحاد ع ت ش، جرد للوقائع والاجراءات – جريدة الشعب نيوز
