تم يوم الاربعاء تدشين «منصّة إدارة العمل»، المنجزة بالتعاون بين وزارة الشؤون الاجتماعية ومنظمة العمل الدولية، في إطار مشروع «حوار اجتماعي مسؤول وشامل من أجل تماسك اجتماعي مستدام في تونس».

ومن يعرف فلسفة هذا المشروع يدرك أن الأمر يتجاوز رقمنة خدمات إدارة العمل. فقد قام المشروع على تعزيز قدرات الشركاء الثلاثيين وآليات التشاور، وتحديث هياكل إدارة العمل وتفقد الشغل بما يحسن تدخلها في دعم الحوار الاجتماعي والوقاية من نزاعات الشغل وتسويتها، ويساهم في التماسك والاستقرار والسلم الاجتماعي.
وفي هذا السياق، تتضمن المنصة وحدة للنهوض بالحوار الاجتماعي ومتابعة الأنشطة والمبادرات الرامية إلى دعم الحوار والتشاور والتواصل بين الأطراف الاجتماعية.
هنا المفارقة
وهنا تحديدًا تبرز المفارقة: تتقدم رقمنة أدوات الحوار الاجتماعي في وقت تتعطل فيه آليات الحوار والتشاور والتفاوض التي تعطي لهذه الأدوات معناها.
ومن زاوية العمال، لهذه المفارقة دلالة خاصة.
فالثلاثية التي قام عليها المشروع تعني وجود الحكومة وممثلي العمال وممثلي أصحاب العمل داخل مسار فعلي ومنتظم للحوار. هناك تُطرح المطالب والمصالح المختلفة، وتُدار الخلافات بالتفاوض، وتُبنى الاتفاقات وتُتابع الالتزامات، وتُعالج أسباب النزاعات قبل استفحالها.
لذلك، عندما نتحدث عن تعزيز قدرات الشركاء الثلاثيين، فالمعيار في النهاية هو ما تتيحه هذه القدرات من مشاركة فعلية في الحوار والتفاوض. وعندما نتحدث عن تعزيز آليات التشاور، فالقيمة في انتظام هذا التشاور وقدرته على معالجة الملفات الاجتماعية والمهنية.
وهكذا تبدو الصورة
حتى الوقاية من نزاعات الشغل وتسويتها تبدأ قبل أن يصبح النزاع ملفًا مسجلًا على منصة رقمية. تبدأ من قنوات حوار مفتوحة، ومن تفاوض جدي، ومن اتفاقات تحترم والتزامات تتم متابعتها وتنفيذها.
من هنا تبدو الصورة اليوم لافتة: لدينا أداة رقمية متطورة لدعم الحوار الاجتماعي ومتابعته، بينما يحتاج مسار الحوار نفسه إلى استعادة انتظامه وفاعليته.
وهذا لا ينتقص من أهمية المنصة. فتوفير معطيات دقيقة، وبناء ذاكرة مؤسساتية للحوار، ومتابعة المبادرات ومسارات المصالحة والنزاعات، كلها أدوات يمكن أن تكون ذات قيمة حقيقية لإدارة العمل وللشركاء الاجتماعيين.
لكن المنصة تحتاج بدورها إلى مادة حية: جلسات حوار تُعقد، وتشاور ينتظم، ومفاوضات تُفتح، واتفاقات تُبرم، والتزامات تُنفذ وتُتابع.
متى يستعيد الحوار فاعليته؟
وربما تكمن إحدى أهم فوائد هذه المنصة مستقبلًا في أنها ستسمح بقراءة واقع الحوار الاجتماعي بالأرقام والوقائع: حجم الأنشطة والمبادرات، مسارات التشاور والتفاوض، النزاعات التي تمت الوقاية منها أو تسويتها، والاتفاقات التي جرى التوصل إليها ومتابعتها.
عندها لن تكون هذه مجرد مؤشرات تقنية، وإنما صورة عن مدى تحقق الأهداف التي وضعها المشروع لنفسه.
فالمشروع اختار عنوانًا دقيقًا: «حوار اجتماعي مسؤول وشامل من أجل تماسك اجتماعي مستدام في تونس».
وبعد أن أصبحت إحدى أدواته الرقمية جاهزة، يبقى الرهان الأساسي في أن يستعيد الحوار الاجتماعي نفسه فاعليته، وأن تستعيد الثلاثية وآليات التشاور والتفاوض دورها في إدارة الملفات الاجتماعية والمهنية والوقاية من النزاعات.
فالمنصة تستطيع أن تدعم الحوار وتوثقه وتتابع مساراته، لكنها لا تستطيع أن تصنعه في غيابه.
الأداة أصبحت جاهزة… فمتى يستعيد الحوار الاجتماعي مكانه؟
