29.9 C
تونس
7 أكتوبر، 2026 20:24
جريدة الشعب نيوز
وطني

العمل اللائق في تونس في غياب الحوار الاجتماعي

يتزامن الاحتفال باليوم العالمي للعمل اللائق مع وصول “مسيرة الكرامة” إلى العاصمة وفي هذا المشهد مفارقة تختصر جانبا أساسيا من واقع الشغل في تونس: ففي اليوم الذي يحتفى فيه عالميا بالحق في العمل اللائق، يقطع تونسيون مئات الكيلومترات سيرا على الأقدام للوصول إلى العاصمة والمطالبة بحقهم في العمل.

لكن المفارقة لا تكمن في البطالة وحدها. فالبطالة، مهما بلغت حدتها، ليست سوى وجه من وجوه أزمة أوسع تتعلق بكيفية إدارة الدولة للعمل، وبمن يملك حق تحديد سياساته وشروطه.

ذلك أن العمل اللائق لا يبدأ لحظة دخول العامل إلى المؤسسة، ولا ينتهي عند حصوله على أجر آخر الشهر. إنه يبدأ قبل ذلك بكثير، من الطريقة التي تصاغ بها السياسات التي تحدد من يعمل، وفي أي شروط، وبأي حقوق، وتحت أي حماية، ومن يملك حق التفاوض بشأنها.

ومن هنا يصبح الحوار الاجتماعي جزءا من صلب مفهوم العمل اللائق، لا مجرد هامش ملحق به.

فما معنى أن نتحدث عن عمل لائق، بينما تصاغ السياسات المتعلقة بالشغل من دون حوار فعلي مع الأطراف الاجتماعية؟ وما معنى أن نتحدث عن العدالة في سوق العمل، إذا كان أصحاب المصلحة لا يملكون بالقدر نفسه القدرة على التأثير في القرارات التي ترسم مستقبلهم؟

المسألة، إذن، ليست فقط: هل وفرت الدولة مواطن شغل؟ بل: بأي منطق تصنع الدولة سياسة الشغل أصلا؟

هنا تحديدا تكشف «مسيرة الكرامة» ما هو أبعد من مجرد مطلب الانتداب. فهي تضع أمام الدولة أزمة علاقة: علاقة المواطن بالقرار، وعلاقة أصحاب المصلحة بالسياسات التي تمس مستقبلهم.

حين يضطر أصحاب الشهائد العليا المعطلون عن العمل إلى النزول إلى الشارع وقطع مئات الكيلومترات للوصول إلى مركز القرار، فإن السؤال لا يعود فقط: لماذا لم يحصلوا على عمل؟ بل يصبح أيضا: أين كانت قنوات الحوار قبل أن يصبح الشارع هو القناة الأخيرة؟

فالاحتجاج لا ينبغي أن يكون بديلا عن الحوار، كما لا ينبغي أن يكون الحوار مجرد مرحلة تسبق الاحتجاج أو محاولة لاحتوائه. فالحوار الاجتماعي يفترض وجود مساحات فعلية للتفاوض والتأثير والاعتراض، قبل أن تتحول السياسات الاجتماعية إلى أزمات مفتوحة.

وهنا تكمن إحدى المفارقات الكبرى في إدارة الشغل في تونس: الدولة مطالبة بإنتاج العدالة الاجتماعية، لكنها لا تستطيع إنتاجها بالطريقة نفسها التي تنتج بها القرارات الإدارية.

فالعمل اللائق لا يصنع بالقرارات المنفردة. ولا يكفي أن تسن القوانين أو تعلن البرامج أو تفتح المناظرات حتى تصبح السياسة الاجتماعية عادلة. فالسؤال الذي يسبق كل ذلك هو: من شارك في صياغتها؟ ومن فاوض بشأنها؟ ومن اعترض عليها؟ ومن كانت له القدرة على تعديلها؟

إذا غاب هذا المسار، يصبح المواطن في نهاية السلسلة فقط: يتلقى القرار، ثم يتحمل نتائجه، ثم يطلب منه الانتظار، وإذا طال الانتظار يصبح الاحتجاج خياره الوحيد.

وهذا ما يجعل أزمة العمل في تونس أعمق من مجرد أزمة تشغيل. إنها أزمة حوكمة اجتماعية.

نحن أمام نموذج يمكن أن يكثر فيه الحديث عن التشغيل، بينما يهمش النقاش حول شروط إنتاج سياساته؛ ويمكن أن تتعدد البرامج والوعود، بينما تضيق مساحات التفاوض؛ ويمكن أن يرفع شعار العمل اللائق، بينما يبقى العمال وأصحاب العمل والباحثون عن العمل بعيدين عن التأثير الحقيقي في القرار.

والأخطر أن يتحول الحوار الاجتماعي، في هذه الحالة، من آلية لصناعة القرار إلى مجرد آلية لإدارة تداعياته.

وهنا تحديدا تصبح «مسيرة الكرامة» ذات دلالة سياسية. فهي لا تقول فقط إن هناك عاطلين ينتظرون العمل، بل تقول إن هناك مواطنين لم يجدوا، قبل الوصول إلى الشارع، مساحة كافية يسمع فيها صوتهم.

وفي اليوم العالمي للعمل اللائق، لذلك، لا يكفي أن نحتفل بالحق في العمل، ولا أن نحصي الوظائف التي أحدثت. علينا أن نسأل عن السلطة التي تقف خلف العمل: من يحدد شروطه؟ من يقرر سياساته؟ من يفاوض حولها؟ ومن يملك حق الاعتراض؟

فالعمل الهش ليس لائقا، والأجر غير العادل ليس لائقا، وغياب الحماية ليس لائقا. وكذلك السياسة الاجتماعية التي تنتج من دون مشاركة أصحابها ليست نموذجا مكتملا للعمل اللائق، مهما كانت الشعارات التي ترفع حولها.
لذلك فإن التحدي الحقيقي أمام الدولة ليس فقط أن توفر العمل، وإنما أن تعيد بناء الطريقة التي تدار بها قضايا العمل نفسها.

لأن الدولة التي تريد عملا لائقا مطالبة أولا بأن تجعل صناعة سياسات العمل نفسها عادلة وتشاركية.

وإلا سنظل نحتفل بالعمل اللائق مرة في السنة، بينما يظل السؤال الحقيقي مطروحا في الشارع:

هل نحن بصدد بناء عمل لائق فعلا، أم بصدد إدارة أزمة الشغل من دون أن نغير طريقة إنتاجها؟

فلا يمكن أن يكون العمل لائقا إذا كان العامل والباحث عن العمل غائبين عن صناعة السياسة التي تحدد مستقبل عملهما.

مقالات مشابهة

“جمعيّة الخط” تؤكّد صدور حكم بعدم سماع الدعوى في قضيّة طلب حلّها

فريق النشر Echaab News

القصرين : اختتام رحلة الخير… حقيبة مدرسية تعيد الأمل إلى مقاعد الدراسة

فريق النشر Echaab News

وقفة تضامنية ببنزرت للمطالبة بإطلاق سراح الناشط كريم ترعة وإسقاط التهم الموجهة إليه

فريق النشر Echaab News