بقلم / سليم البوزيدي – واكبتُ ما صدر عن عمادة المهندسين بشأن الحلول المقترحة لإنقاذ المواسم الكهربائية المقبلة في بلادنا، لكنني، بكل صراحة، لم أجد ما يرقى إلى مستوى الانتظارات، ولا ما يمكن اعتباره إضافة نوعية أو طرحًا جديدًا يستحق كل تلك الهالة الإعلامية.
ما طُرح، في تقديري، لا يتجاوز حلولًا تقليدية ومعروفة، ومتداولة لدى إطارات الشركة التونسية للكهرباء والغاز، بل إن جزءًا مما تم تداوله إعلاميًا بدا أقرب إلى إعادة ترتيب خواطر واستنتاجات بالاعتماد على أرقام ومعطيات منشورة على مواقع الشركة، دون الغوص في عمق الإشكاليات أو تقديم معطيات جديدة يمكن أن تُبنى عليها تصورات عملية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه خلال المواسم المقبلة.
كنت أنتظر طرحًا أكثر عمقًا ودقة من الناحية العلمية والفنية، خاصة عندما يتعلق الأمر بشخصية تُعدّ من أعلام هذا الوطن ومن كفاءاته. فالمسألة ليست مجرد استعراض للأرقام أو إعادة صياغة لما هو معروف، بل تتطلب تحليلًا معمّقًا للأسباب، وفهمًا دقيقًا لمصادر الضغط على المنظومة الكهربائية، ثم اقتراح حلول واقعية قابلة للتطبيق والقياس.
يا سادتي، الكهرباء منظومة تقوم أساسًا على تحقيق التوازن بين الإنتاج والاستهلاك. وعندما يعجز الإنتاج عن مواكبة الطلب، يصبح التحكم في الاستهلاك أحد أهم الحلول المتاحة للحفاظ على استقرار الشبكة.
وهذه حقيقة فنية معروفة، لكن التحدي الحقيقي ليس في ترديدها، بل في تحديد كيفية تطبيقها، وأين يجب التدخل، وما حجم النتائج التي يمكن تحقيقها.
وهنا أطرح سؤالًا جوهريًا كنت أنتظر أن يحظى بنصيب أكبر من التحليل:
لماذا بلغ الاستهلاك الكهربائي مستويات قياسية خلال شهري جويلية وأوت، ثم عاد إلى مستوياته المعتادة خلال شهر سبتمبر، رغم استمرار ارتفاع درجات الحرارة؟
ألا يستحق هذا التغير في منحى الطلب دراسة معمّقة لفهم العوامل التي أدت إليه؟
إن تراجع الاستهلاك مع نهاية الموسم الصيفي، رغم استمرار الظروف المناخية الحارة، يطرح فرضيات جدية تستحق البحث، من بينها تأثير النشاط السياحي وتغير نسق استهلاك الكهرباء في المناطق السياحية. وإذا أثبتت المعطيات أن هذه المناطق تمثل عاملًا مهمًا في بلوغ ذروة الطلب خلال أشهر الصيف، فإن المطلوب هو الانتقال من مجرد تشخيص الظاهرة إلى وضع برامج عملية لترشيد الاستهلاك فيها، بالتنسيق مع المؤسسات السياحية ومختلف المتدخلين، مع تقييم النتائج بالأرقام.
كان من المنتظر أن يتناول الطرح هذه المسائل بمنهجية علمية واضحة: تحليل تطور الطلب حسب الفترات الزمنية والمناطق والقطاعات، وتحديد مساهمة كل عامل في ذروة الاستهلاك، ثم اقتراح إجراءات دقيقة تسمح بخفض الحمل خلال ساعات الذروة، مع تقدير أثر كل إجراء على استقرار الشبكة وكلفة المنظومة الكهربائية.
فنحن اليوم لا نحتاج إلى إعادة اكتشاف ما هو معروف، ولا إلى حلول عامة يمكن لأي متابع للقطاع أن يقترحها، بل نحتاج إلى تشخيص دقيق، ومعطيات موثوقة، وتحليل علمي عميق، وحلول عملية قابلة للتنفيذ.
في النهاية، يبقى التنظير أمرًا يسيرًا، أما إيجاد الحلول فيتطلب خبرة ميدانية، وإلمامًا بالتفاصيل، وفهمًا حقيقيًا لإكراهات القطاع وإمكاناته.
لذلك، مع كامل الاحترام لكل الكفاءات الوطنية، أقول: دعوا أهل مكة أدرى بشعابها. فالعاملون في الميدان، ممن يواجهون يوميًا تحديات الإنتاج والنقل والتوزيع والتحكم في الشبكة، يمتلكون من الخبرة العملية ما ينبغي أن يكون نقطة الانطلاق لأي تصور جدي لإنقاذ المواسم الكهربائية المقبلة.
إنقاذ المنظومة الكهربائية لا يكون بالهالة الإعلامية، بل بالعلم، والبيانات، والخبرة، والواقعية.
