الشعب نيوز/ الهادي رشاد حشوش.
تقتضي قراءة مشروعي قانون المالية والميزان الاقتصادي التمييز بين طبيعة الوثيقتين ووظيفة كليهما، دون الفصل بينهما. فمشروع قانون المالية هو نصّ تشريعي يقترحه الجهاز التنفيذي (وزارة المالية) ويعرضه على البرلمان للمناقشة والتعديل والمصادقة؛ وهو يضبط، من خلال فصوله، التوجهات الإصلاحية العامة، ويحدّد الإجراءات الجبائية والمالية والتدابير المقترحة لفائدة المؤسسات والأفراد والقطاعات الاقتصادية عموما. أمّا الميزان الاقتصادي، فهو وثيقة تقديرية وتوجيهية تعرض الفرضيات الاقتصادية للسنة المقبلة، وتحدّد الأهداف المنتظرة في مجالات النموّ والتضخّم والاستثمار والتشغيل والتجارة الخارجية. وبذلك، يقدّم الأول الإطار القانوني والمالي لتنفيذ السياسات العمومية، فيما يرسم الثاني المؤشرات والآفاق التي يُفترض أن تتحرّك ضمنها تلك السياسات.
اوفر المداخيل من الجباية
على مستوى الميزان الاقتصادي، تراهن التقديرات الحكومية على بلوغ نموّ اقتصادي في حدود 3.1% سنة 2027، مقابل 2.7% متوقّعة لكامل سنة 2026. كما يُنتظر أن يتراجع التضخّم من 5.3% إلى 5.2%، وأن تنخفض نسبة البطالة من 14.9% إلى 14.5%، مع تراجع بطالة الشباب من 35.4% إلى 35%. وفي المقابل، يُفترض أن ترتفع نسبة الاستثمار من 15.5% إلى 16.4% من الناتج المحلي الإجمالي، وأن تبلغ الاستثمارات الأجنبية المباشرة 4.8 مليارات دينار، مقابل 4 مليارات مقدّرة لسنة 2026. وتشمل الفرضيات كذلك نموّ الصادرات بنسبة 8%، مقابل 7.5% سنة 2026، وتباطؤ نموّ الواردات إلى 7.9%، بما ينجرّ عنه من تراجع منتظر للعجز التجاري من 3.9% إلى 3.7% من الناتج. وتظلّ هذه الأرقام أهدافًا وتوقّعات مرتبطة بفرضيات داخلية وخارجية، ولا سيما في ظلّ التحوّلات الجيوسياسية الكبرى التي تعرفها المنطقة، فضلًا عن صدمات خارجية محتملة.
أمّا مشروع قانون المالية، فيقدّم صورة عن الموارد التي يُنتظر تعبئتها والنفقات التي تعتزم الدولة تغطيتها. إذ قُدّرت نفقات ميزانية الدولة لسنة 2027 بنحو 69 مليار دينار، مقابل 64 مليارًا سنة 2026، أي بزيادة تقارب 8.4%. وفي المقابل، يُنتظر أن تبلغ المداخيل 54 مليار دينار، منها 50 مليارًا من المداخيل الجبائية، بما يفضي إلى عجز في حدود 14.6 مليار دينار. وتتجاوز حاجيات التمويل الإجمالية 28 مليار، موزّعة أساسًا بين 19.8 مليار دينار من الاقتراض الداخلي و6.8 مليارات من الاقتراض الخارجي، إلى جانب موارد أخرى للخزينة. وتشمل هذه الحاجيات تمويل عجز الميزانية وتسديد خدمة الدين.
10 مليارات من البنك المركزي
وفي هذا السياق، يبرز الفصل المتعلّق بإمكانية منح البنك المركزي تسهيلات للخزينة العمومية في حدود 9.8 مليارات دينار، وذلك على سبيل الاستثناء، وخلافًا لأحكام الفصل 25 من القانون المنظّم للبنك المركزي. ويقترح النصّ أن تكون هذه التسهيلات دون فوائد، على أن تُسدّد على امتداد 15 سنة، منها ثلاث سنوات إمهال. وإلى جانب هذا الإجراء، يتضمّن المشروع أحكامًا تتعلّق بموارد الدولة وضماناتها وقروض الخزينة، فيما يحدّد سقف ضمانات الدولة للقروض أو إصدار الصكوك في حدود 9 مليارات دينار، وسقف قروض الخزينة للمؤسسات العمومية في مستوى 250 مليون دينار.
شكليا، يتكوّن مشروع قانون المالية من 70 فصلًا، تجمع بين أحكام تتعلّق بميزانية الدولة وتمويلها، وتدابير جبائية ومالية واقتصادية ذات طابع قطاعي واجتماعي. ومن بين الإجراءات المقترحة ما يتصل بتعديل بعض الأداءات والمعاليم، وتغيير التعريفات الديوانية على منتجات محدّدة، إلى جانب حوافز موجّهة إلى الاستثمار والمؤسسات والتصدير. ويشمل ذلك تحمّل الدولة جزءًا من أقساط التأمين على الصادرات، وتدابير جديدة لفائدة المؤسسات الصغرى والمشاريع المحدثة، فضلاً عن آليات تمويل لفائدة باعثي المشاريع. كما يتضمّن إجراءات ذات صلة بقطاعات فلاحية، من بينها دعم سلسلة إنتاج الزيت والزيتون.
انتداب 32،557 عونًا بالقطاع العمومي
وفي الجانب الاجتماعي كذلك، تتضمّن التوجّهات المعلنة انتداب 32،557 عونًا بالقطاع العمومي، إلى جانب تسوية بعض الوضعيات المهنية الهشة، ومواصلة تغطية الزيادات في الأجور للفترة 2026–2028. ويُقدّر حجم كتلة الأجور بنحو 13.7% من الناتج المحلي الإجمالي لسنتي 2026 و2027، مقابل 15.3% سنة 2021.
في المحصّلة، وعند الوقوف على مضمون الوثيقتين، يتبادر إلى الذهن سؤال عن طبيعة الخيارات الاقتصادية التي تقف وراءهما: ما القطاعات التي يُراد دفعها؟ وما الحوافز والآليات المعتمدة لتحريك الاستثمار والإنتاج والتصدير؟
—
* من مقال مطول منشور في النسخة الورقية لجريدة الشعب بتاريخ 29 اكتوبر 2026.
