دأبنا الحديث عن الأزمة المالية للصناديق الاجتماعية في علاقة بإختلال التوازنات بين الايرادات او المداخيل من جهة و التعهدات او المصاريف من جهة ثانية. و حاولنا من خلال المقالات السابقة توصيف الوضعية و البحث عن الاسباب و محاولة رصد مواقع الاخلالات الهيكلية لانظمة الضمان الاجتماعي و مدى تأثيرها على جودة الخدمات و كيفية إدارة المرفق العام و إحكام التصرف في الموارد المالية و البشرية. و من الخلاصات الاساسية التي تجلت من خلال التحليل و الاستنتاج مدى ترابط عناصر الازمة و علاقتها السسببية حيث لم يعد من السهل فصل الدواعي عن التداعيات او الاختصار على تعداد المسببات المقياسية او طرح تصورات و سيناريوهات حلحلة او حلول خارج سياق الاصلاحات الهيكلية للترسانة التشريعية للسياسات الاجتماعية في بعدها الاستراتيجي نظرا للدور الهام بل و الخطير لمنظومات الضمان الاجتماعي في علاقة بالاستقرار السياسي و السلم الاجتماعي.

تحدثنا عن منظومة الحسابات الفردية و علاقتها بالاستخلاص و حاولنا تشبيك المفاهيم و اعتماد قراءة متعددة الاختصاصات و الابعاد نظرا لارتباط الضمان الاجتماعي بالتحولات الديمغرافية و السياسة العمرانية و السكنية و تأثيراتها على التركيبة المجتمعية و مورفولوجيا عالم الشغل و الاوضاع الداخلية و الخارجية .
و حيث ترتبط كل هذه العناصر و تنصهر ضمن مسار هيكلة مؤسسات الضمان الاجتماعي و الدور المحوري لوظيفة الاستخلاص التي تمثل حجر الزاوية و عنوان مدى استقلالية الصناديق في علاقة بالتصرف في الموارد المالية و حسن توظيف الاستثمار في التكنولوجيا و الانظمة المعلوماتية .
وحيث بلغنا مرحلة من الارتباك و التردد في اتخاذ قرار الاصلاح و الانطلاق في إرساء حوار اجتماعي يهدف الى الاتفاق حول السمات الاساسية للتشخيص و منها العبور الى رسم خارطة طريق و جدول قيادة عملي يمكن من تصويب القرارات الاصلاحية فإن المبادرة بطرح تصورات و منهجيات و خطوط كبرى يبقى رهين توفر المعطيات الاحصائية و المؤشرات و البيانات الرسمية و القوئم المالية النهائية التي تتيح فرصة الالتقاء حول الاهداف المرتقبة و جرعات الاصلاحات الضرورية على المدى القريب و المتوسط و الاستراتيجي .
و لقد تعودنا الحديث عن الازمة المالية الهيكلية للصناديق الاجتماعية و دأبنا التركيز عن الارقام رغم ندرة مصادرها الرسمية حيث يستأثر موضوع التوازنات الداخلية للانظمة دون الاهتمام بمسألة مديونية المؤسسات و المشغل بصفة عامة و في القطاعين العمومي و الخاص.
و حيث استبطنا بعض البديهيات و الكثير من المسلمات في مجال الاستخلاص و مدى التزام المؤسسات المشغلة بالايفاء بالتعهدات المالية تجاه الصناديق الاجتماعية فإن مفارقات الواقع و مفاجئات الوضعية الحقيقية تكون صادمة و غير منتظرة خاصة بالنسبة للوظيفة العمومية و المنشآت العمومية التابعة للدولة وو مؤسساتها .
نخصص هذا العمود الاسبوعي للقطاع العام على ان يتبعه مقال عن واقع الاستخلاص بالقطاع الخاص الذي يتميز بتواتر الاجراءات و تعدد المبادرات التي تتخذها الحكومات من أجل خدمة اهدافها الاجتماعية برداء سياسي بتلونات اقتصادية و مالية بيافطات مختلفة لكنها تتماهى من حيث الاطار العام لخصوصيات الاختيارات الليبرالية التي حادت عن مبادئ الحوار الاجتماعي و قيم العقد الاجتماعي التشاركي .
تعتبر الدولة المشغل الرئيسي بالنسبة للمنظوين تحت الصندوق الوطني للتقاعد و الحيطة الاجتماعي الذي يحتفل هذه الايام بالذكرى الخمسين لإنشائه حيث يستأثر قطاع الوظيفة العمومية بالحيز الأكبر من المنخرطين و المضمونين الاجتماعيين حيث يتصرف المركز الوطني للاعلامية في التطبيقات المانحة للاجور و المحددة لمستحقات انظمة الضمان الاجتماعي و خاصة نظامي التقاعد و رأس المال عند الوفاة بالاضافة الى الاقتطاع بعنوان الجباية.
خصوصية هامة و قديمة تستحق تسليط الضوء و تعميق النظر في مناسبة قادمة على ان نخصص هذه الاسطر لتناول مسألة هامة تتعلق بالوضعية المالية للمؤسسات و المنشآت العمومية المنخرطة بالصندوق الوطني للتقاعد و الحيطة الاجتماعية .
نشيرفي البداية الى ان انخراط المنشآت العمومية و منها منظوريها و اعوانها بأحد الصندوقين يبقى اعتباطيا و يخضع للسلطة التقديرية للادارة حيث يتم بمقتضى أمر حسب الوضعية العامة و الاعتبارات الداخلية للسلط.
و لقد انتجت هذه المفارقة و ضعيات هجينة و غير متجانسة من حيث الانخراط لمؤسسات متشابهة على غرار شركات النقل العمومي و بعض المنشآت و التي من بينها مؤسسات الضمان الاجتماعي ذاتها و ما تعرفه من خصوصيات لوضعيات غريبة و غير عقلانية . السكك الحديدية و الشركات الوطنية للنقل و الدواوين و بعض المؤسسات على غرار شركة الحلفاء بالقصرين و غيرها من الهياكل العمومية بلغت وضعا ماليا متفجرا حيث راكمت ديونا لصالح الصندوق الوطني للتقاعد و الحيطة الاجتماعية بلغت مئات ملايين الدينارات أي آلاف الملياردوات .
لم تفلح جدولة الديون و لم ينفع توظيف فوائض وهمية لمنشآت على حافة الافلاس بل و تجاوزته في عديد الحالات من الالتزام بالتعهدات القاضية بدفع مستحقات الضمان الاجتماعي في الابان .
تتكون هذه المستحقات من مساهمات الأجير التي وقع اقتطاعها من أجره و نصت عليها بطاقات الخلاص و تم تحويلها في غير غرضها في خيانة مؤتمن موصوفة أمام نظر الدولة و في مخالفة بينة لكل قواعد التصرف . كما يفترض ان تفي المؤسسة المشغلة بدفع منابها من المساهمات الاجتماعية غير انها مخلة و منذ سنوات عن دفع معاليم الانخراط في الضمان الاجتماعي.
تراكمت الديون و تفاقمت الوضعية و استعصت الحلول و غابت إرادة الإصلاح و تدهورت وضعية الصندوق الوطني للتقاعد و الحيطة الاجتماعية الطي اصبح عاجزا عن الاستخلاص و العقلة عن مؤسسات مفلسة و ذات موازنات سلبية .
تصوروا لو حجب الصندوق خدماته عن منظوري هذه المؤسسات؟ تخيلوا لو عمد الصندوق الى رفض إسداء الجرايات لمن لم يدفع مساهماته ؟
للتذكير نظام الضمان الاجتماعي في تونس مساهماتي و لا دخل للدولة في تمويله و ليست ضامنا في خدماته حيث لا يجب ان تتدخل في صرف المستحقات سوى من باب دوام المرفق العام لكنها لا تتحمل الديون و لا تدفع في المقابل بما يجر الصندوق الى الاقتراض و التداين لدى البنوك حتى يتمكن من دفع الجرايات الشهرية التي ناهزت السبع مائة مليار كل شهرمقابل فوائض تجارية مجحفة لكنها ضرورية .
الى هذا الحد وصلنا بما جعل جانب من المضمونين الاجتماعيين و من المشغلين يتعهد بالدفع بعنوان الذين لم يعد بمقدورهم الايفاء بالاجور و توابعها و منها معاليم الضمان الاجتماعي المحتسب ضمن الكتلة العامة للاجور التي لم تعد تعكس الواقع و الحقوق.
الى اين نتجه ؟
