جريدة الشعب نيوز
وطني

ق.م.م 2027: قوانين و موارد، دون أن يتمكّن المعنيون اجتماعيا من الانتفاع بالحماية الموعودة

الشعب نيوز/ الهادي رشاد حشوش
نتطرق في المقال الرابع من نوعه حول قانون المالية وميزانية 2027 الى الاجراءات الخاصة بالجانب الاجتماعي، المباشرة منها وغير المباشرة لكن يجدر التوضيح، قبلا، أن الفصل بين الاقتصادي والاجتماعي يظلّ تمرينا دقيقا؛ فكثير من الإجراءات الاقتصادية، من خيارات التمويل والجباية إلى الحوافز الموجّهة للمؤسسات، لها انعكاسات مباشرة وعميقة على التشغيل والقدرة الشرائية والاندماج.
لذلك، ينصبّ التركيز هنا على مدى استجابة هذه الإجراءات لحاجيات التونسيين، وقدرتها على تحويل التعهدات المعلنة إلى حقوق ومنافع ملموسة، دون إعادة تقييمها من زاوية اقتصادية.
يظلّ التشغيل، وخاصة تشغيل أصحاب الشهائد العليا الذين طالت بطالتهم، أحد أبرز الاختبارات في هذا المجال. فقد أقرّ القانون عدد 18 لسنة 2025 ذائع الصيت انتداب هذه الفئة على دفعات في أجل أقصاه ثلاث سنوات، لكن مشروع ميزانية 2027 لا يقدّم، وفق المعطيات المتاحة، ترجمة واضحة لهذا الالتزام في شكل روزنامة انتدابات واعتمادات محددة، رغم التحركات الاحتجاجية الأخيرة “للمُعطّلين”. ويكتفي الفصل التاسع من قانون المالية بتحديد سقف عام لأعوان الوظيفة العمومية، دون أن تتضح منه حصة هذا البرنامج. لا نعلم إلى اليوم ما إذا كان هذا الالتزام قد دخل طور التنفيذ الفعلي، أم ما زال ينتظر استكمال أدوات تفعيله. المسألة هنا لا تتعلق بالتفاصيل المادية والاعتمادات فحسب، بل بمصداقية الدولة تجاه فئة طال انتظارها للحل أمام خطاب التسويف والمماطلة..
التفاصيل حاسمة
حتى لا يبقى الإجراء امتيازاً معلناً يصعب الانتفاع به
وفي ما يتعلق بباعثي المؤسسات الصغرى، يكتسب تكفّل الدولة بالمساهمات الاجتماعية خلال السنوات الأولى من النشاط أهمية تتجاوز تشجيع المبادرة الاقتصادية، إذ يمكن أن يخفف الأعباء الأولية عن أصحاب المشاريع وييسّر التصريح بالنشاط والانخراط في منظومة الحماية الاجتماعية. غير أنّ صياغة بعض أحكام الفصل تثير تساؤلات حول نطاق المساهمات المشمولة، وشروط الانتفاع، والسقف المالي المرصود. وتظلّ هذه التفاصيل حاسمة حتى لا يبقى الإجراء امتيازاً معلناً يصعب الانتفاع به، أو لا يستجيب فعلياً لحاجيات الفئات المستهدفة.
وتبرز مسألة أكثر إلحاحاً في مجال الحماية الاجتماعية، حيث أُقرّ صندوق لفائدة العاملات الفلاحيات، كما أُحدث مبدأ التأمين ضد فقدان الشغل لأسباب اقتصادية، لكن الانتفاع الفعلي بهذه الآليات يظلّ، مرة أخرى، رهين صدور النصوص الترتيبية اللازمة. وفي حالة صندوق العاملات الفلاحيات، تشير المعطيات المتاحة إلى الحاجة إلى 17 نصاً بين أوامر وقرارات واتفاقيات. أما التأمين ضد فقدان الشغل، فقد بدأت موارده تُجمع منذ جانفي 2025، دون استكمال الإطار المنظم للتسيير والمنافع المنتظرة.
المتقاعدون أكثر الفئات تأثراً
بجودة الخدمات الصحية، وتوفّر الأدوية، وآجال العلاج.
وهنا يكمن جوهر الإشكال الاجتماعي: قد تُسنّ القوانين وتُعبّأ الموارد، دون أن تتمكّن الفئات المعنية بالضرورة من الانتفاع بالحماية الموعودة. لذلك، لا يكفي إحداث الصناديق والآليات، وإنما يتوقف أثرها الحقيقي على مدى وصولها إلى العاملات في ظروف هشّة، وإلى الأجراء الذين يفقدون مورد رزقهم. ومن ثمّ، فإن تقييم التدابير الجديدة يقتضي أيضاً التثبت من مآل التعهدات السابقة، ومدى انتقالها من النصوص إلى التطبيق.
وفي ملف المتقاعدين، يمثّل التخفيض التدريجي للقاعدة الخاضعة للضريبة على الجرايات، وفق الروزنامة المعلنة ضمن إجراءات 2027، خطوة يمكن أن تخفف العبء الجبائي وتحسّن الدخل المتاح لهذه الفئة. غير أن الأثر الاجتماعي لهذه الإجراءات يظلّ حبيس قدرة المتقاعدين على مواجهة تكاليف الحياة والمرض، في سنّ تزداد فيه الحاجة إلى الرعاية الصحية. لذلك، تكتسي المراجعة الدورية للجرايات والمعاشات أهمية كبرى خاصة للحفاظ على القدرة الشرائية، لا سيما في ظل ارتباطها بمستوى أجر أدنى لا يزال ضعيفاً. كما تظلّ هذه الفئة من أكثر الفئات تأثراً بجودة الخدمات الصحية، وتوفّر الأدوية، وآجال العلاج، وفعالية تدخلات الصندوق الوطني للتأمين على المرض (CNAM)، سواء في استرجاع المصاريف أو في التكفّل بالعلاج والأمراض المزمنة. فنجاعة التدابير الاجتماعية تُقاس أيضاً بمدى ضمان دخل تقاعدي يحفظ الكرامة، ونفاذ فعلي إلى العلاج دون أن تتحول كلفته إلى عبء يهدّد الاستقرار المالي للمتقاعد.
الغاية هنا ليست تخفيف كلفة جزئية فحسب،
وإنما توسيع النفاذ الفعلي إلى السكن
وفي ملف السكن، يمكن للتخفيض في معاليم تسجيل الأراضي المعدّة لبناء مسكن فردي، بحسب المساحة، أن يخفف جانباً من كلفة التملّك. غير أن أثره يظلّ محدوداً أمام تضافر عدة عوائق، من ارتفاع أسعار العقارات وكلفة البناء إلى غلاء القروض السكنية، في ظلّ نسب فائدة لا تزال في مستويات من رقمين. كما تثير صعوبة الانتفاع الكامل بالموارد المتاحة لصندوق النهوض بالمسكن لفائدة الأجراء (FOPROLOS) تساؤلات حول مدى ملاءمة شروط تدخّله لحاجيات الفئات المستهدفة، فيما لم ينجح برنامج «السكن الأول» في تحقيق النتائج المأمولة منه. وهو ما يستدعي مراجعة متكاملة لسياسة السكن، تشمل شروط التمويل وآليات الدعم، وإعادة النظر في الأداء على القيمة المضافة والمعاليم الموظفة على العقارات وحقوق التسجيل، بما يحدّ من تراكم الأعباء الجبائية ويمنع احتسابها بصورة مضاعفة على مراحل متتالية. الغاية هنا ليست تخفيف كلفة جزئية فحسب، وإنما توسيع النفاذ الفعلي إلى السكن، وخاصة لفائدة الأسر محدودة ومتوسطة الدخل، وتمكينها من امتلاك مسكنها الأول بشروط تمويل وجبائية أكثر ملاءمة.
تُظهر الإجراءات الاجتماعية المبرمجة أنّ الاستجابة للحاجيات الآنية تظلّ ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها لمعالجة أسباب الهشاشة والبطالة وتراجع القدرة الشرائية، وهو ما يقتضي تقييم مدى اندراج هذه الإجراءات ضمن سياسة تنموية تعالج جذور الصعوبات المذكورة. ومن هذا المنطلق، تقتضي قراءة مشروعي قانون المالية والميزان الاقتصادي لسنة 2027 تجاوز جرد التدابير الاقتصادية والاجتماعية إلى مساءلة مدى انسجامها مع أهداف المخطط التنموي 2026-2030، ومدى ترجمة تلك الأهداف إلى أولويات سنوية واضحة وخيارات تمويلية قابلة للتنفيذ.
(يتبع)
* من مقال مطول نشر في الشعب الورقية بتاريخ 29 اكتوبر 2026.

مقالات مشابهة

نقابة الصحفيين تتضامن مع منير الزوابي وتندد بتهديده بالتتبعات القضائية

فريق النشر Echaab News

فروع رابطة حقوق الإنسان بالساحل تدعو إلى وقفة تضامنية مع العياشي الهمامي أمام سجن المنستير

فريق النشر Echaab News

ق.م.م2027: مكاييل مختلفة في التعامل مع الشركات الاهلية والمؤسسات العمومية والخاصة

فريق النشر