بقلم بولبابة السالمي الأمين العام المساعد للإتحاد
1. مفارقة تكشف واقع الحوار الاجتماعي في تونس
تُطالعنا هذه الأيام وزارة الشؤون الاجتماعية ببرنامج المواضيع المطروحة للتناظر في المناظرة الخارجية بالاختبارات لانتداب متفقدي الشغل لسنة 2026.
حيث يتضمن البرنامج محاور أساسية تتعلق بثقافة الحوار الاجتماعي، والمفاوضات الجماعية، والاتفاقيات المشتركة، وتمثيل العمال، وتسوية نزاعات الشغل، والصلح، والمجلس الوطني للحوار الاجتماعي، ومراقبة تطبيق تشريع الشغل.
وهي جميعها محاور تؤكد المكانة المركزية للحوار الاجتماعي باعتباره آلية أساسية لتنظيم العلاقات المهنية، وتحقيق التوازن بين أطراف الإنتاج، والوقاية من النزاعات، وحماية الحقوق الشغلية، وضمان السلم الاجتماعي.
و إن جاء الوضع طبيعيا يحترم حقيقة مبدأ الحوار الاجتماعي لا قلنا إن الوزارة تنتهج سياسة اجتماعية حقيقية الا أن الواقع غير ذلك تماما لكن المفارقة أن الوزارة التي تضع هذه المحاور ضمن مواد امتحان المترشحين لانتداب متفقدي الشغل تشرف، في الواقع، على منظومة تعطلت فيها كل آليات الحوار الاجتماعي، وجُمّدت فيها مؤسسات التفاوض والتصالح، وهُمّش فيها دور الهياكل التي أُحدثت بموجب القانون لضمان الحوار بين أطراف الإنتاج.
و اغلقت كل ابواب الحوار وعطلت مصالح عمال و مؤسسات اقتصادية وساهمت في مزيد توتير الوضع الاجتماعي وخلق مناخات متشجنة و قامت بفسخ ومحو كل ما هو حوار اجتماعي في سابقة تاريخية لم يشهدها أي فترة سابقة.
فكيف يصبح الحوار الاجتماعي مادة للامتحان، بينما يتحول في الممارسة إلى ممارسة معطّلة ومغيّبة؟
إن هذا التناقض ليس مجرد مفارقة إدارية، بل يعكس أزمة في علاقة السلطة بالقانون والمؤسسات وبالحوار الاجتماعي باعتباره خياراً مجتمعياً وآلية ديمقراطية لإدارة العلاقات المهنية وحلا للأزمات و للتوترات الاجتماعية.
2. تعطيل الحوار الاجتماعي : تناقض مع الإطار القانوني والمؤسساتي
إن أول مظاهر هذا التناقض يتمثل في تعطيل المفاوضات الاجتماعية وتهميش المؤسسات التي أُحدثت لضمان استمراريتها .
فكيف سيكتب المترشح لمتفقّد الشغل عن ثقافة الحوار الاجتماعي والتفاوض، في وقت تعطلت فيه جلسات الحوار، وغابت المفاوضات، وأُغلقت أبواب المجلس الوطني للحوار الاجتماعي، المحدث بالقانون عدد 54 لسنة 2017، والذي أُوكلت إليه مهمة توفير إطار مؤسساتي للحوار الثلاثي بين الحكومة والمنظمات المهنية للأجراء وأصحاب العمل؟
وكيف سيتناول المترشح موضوع الصلح وتسوية النزاعات الشغلية الجماعية، بينما تتعطل الآليات التي ضبطتها مجلة الشغل، وخاصة الفصول 376 و376 مكرر و378، والتي تجعل من الصلح مساراً قانونياً ومؤسساتياً لا مجرد إجراء شكلي أو خيار إداري؟
ولا يقف الأمر عند تعطيل المؤسسات، بل يتجاوزه إلى عدم احترام مقتضيات الاستشارة الوجوبية للمجلس الوطني للحوار الاجتماعي المنصوص عليها بالفصل الثالث من القانون عدد 54 لسنة 2017، عند إعداد النصوص المتعلقة بالشغل والعلاقات المهنية، ومن بينها القانون عدد 9 لسنة 2025.
وهنا يطرح السؤال الجوهري: ما جدوى إحداث مؤسسات للحوار الاجتماعي بقوانين صادرة عن الدولة، إذا كانت السلطة نفسها لا تحترم الأدوار والصلاحيات التي أُحدثت من أجلها؟
3. أمثلة على التعطيل والتناقض بين النصوص والممارسة
إن الأزمة لا تتعلق فقط بغياب الحوار، بل تشمل أيضاً تعطيل تنفيذ النصوص القانونية والتشريعية ذاتها.
فهل ستُطرح على المترشحين أسئلة حول مآل صندوق التأمين على فقدان مواطن الشغل، المحدث بالفصل 17 من قانون المالية لسنة 2025، والأموال المرصودة له، ومدى دخوله حيز التنفيذ وتحقيق الأهداف التي أُحدث من أجلها؟
وهل ستتم مساءلتهم حول المرسوم عدد 4 لسنة 2024 المتعلق بالحماية الاجتماعية للعاملات الفلاحيات، في وقت تتواصل فيه معاناة هذه الفئة من العاملات بسبب هشاشة ظروف العمل، ومخاطر النقل، وضعف الحماية الاجتماعية؟
وهل سيُطلب منهم تقييم دور الدولة في مراقبة تطبيق تشريع الشغل، في الوقت الذي شهدت فيه مصالح تفقدية الشغل تعطيلات مست جوهر مهامها؟
ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما حصل يوم السبت 2 أوت 2025، إثر صدور مراسلات وتعليمات عن الإدارة العامة لنزاعات الشغل والنهوض بالعلاقات المهنية، تم بموجبها إلغاء جلسات اللجان المركزية للتصالح، ثم توجيه تعليمات بتجميد جلسات اللجان المركزية والجهوية للتصالح ولجان مراقبة الطرد.
وهو إجراء يطرح إشكاليات قانونية ومؤسساتية جدية، بالنظر إلى ارتباط هذه اللجان بآليات تسوية النزاعات التي ضبطتها مجلة الشغل، وخاصة الفصول 21 وما يليها والفصل 376 وما يليه، فضلاً عن النصوص المنظمة لسلك تفقد الشغل ومشمولات المصالح المركزية والجهوية التابعة للوزارة.
إن تعطيل هذه الآليات لا يمس فقط بحقوق العمال، بل يضرب أيضاً مصالح المؤسسات الاقتصادية التي تحتاج إلى إدارة مؤسساتية للنزاعات وتوفير مناخ اجتماعي مستقر.
إن التجاوزات لا تتعلق فقط بالنصوص و التشريعات الوطنية بل تتعداها الى عدم احترام معايير و معاهدات منظمة العمل الدولية و هي في الاصل لتزام قانوني للدولة التونسية طالما صادقت عليها وليس خياراً سياسياً فهذه الممارسات تطرح أيضاً مسألة مدى احترام تونس لالتزاماتها الدولية في مجال العمل والحوار الاجتماعي.
فالاتفاقية الدولية عدد 81 المتعلقة بتفقد الشغل تؤكد ضرورة ضمان استقلالية جهاز التفقد في أداء مهامه، والاتفاقية عدد 87 تكرس الحرية النقابية وحماية الحق النقابي، والاتفاقية عدد 98 تضمن الحق في التنظيم والمفاوضة الجماعية.
كما تؤكد الاتفاقية عدد 144 أهمية المشاورات الثلاثية بين الحكومة والمنظمات المهنية للأجراء وأصحاب العمل، فيما تتعلق الاتفاقية عدد 151 بحماية الحق النقابي وإجراءات تحديد شروط الاستخدام في الوظيفة العمومية.
وهذه الالتزامات الدولية، إلى جانب التشريعات الوطنية، تفرض على الدولة احترام المؤسسات والآليات التي تضمن الحوار الاجتماعي والمفاوضة الجماعية، لا تعطيلها أو الالتفاف عليها.
4- متفقد الشغل: من مجرد عون مراقبة إلى ركيزة من ركائز الدولة الاجتماعية
إن الحديث عن تفقدية الشغل لا يمكن اختزاله في مهام إدارية أو إجراءات رقابية.
فمتفقد الشغل ليس مجرد عون يتولى زيارة المؤسسات وتحرير المحاضر وتسجيل المخالفات، بل هو أحد أعمدة الدولة الاجتماعية، وحلقة أساسية في ضمان احترام تشريع الشغل والاتفاقيات المشتركة، وحماية الحقوق الشغلية، والوقاية من النزاعات المهنية وتسويتها.
وتتجاوز مهامه مراقبة تطبيق القانون إلى المساهمة في بناء علاقات مهنية متوازنة، وترسيخ ثقافة التفاوض والصلح، وضمان احترام الحقوق والحريات النقابية.
لكن كيف يمكن مطالبة هذا السلك بأداء أدواره كاملة في ظل تعطيل المؤسسات والآليات التي يفترض أن يمارس من خلالها مهامه؟
وكيف يمكن الحديث عن استقلالية تفقدية الشغل ونجاعة تدخلاتها، إذا أصبحت قراراتها وإجراءاتها خاضعة لتعليمات إدارية وسياسية تعطل دورها القانوني؟
إن تفقدية الشغل لا يمكن أن تكون فاعلة إلا في ظل إرادة سياسية تحترم القانون، وتحمي استقلالية القرار المهني، وتضمن عدم توظيف الإدارة لتعطيل الحقوق والآليات القانونية.
5- المسؤولية السياسية والمؤسساتية والقانونية
نحن أمام ممارسات لها انعكاسات مباشرة على الحقوق الاجتماعية والشغلية، وعلى التوازنات داخل علاقات العمل، وعلى الأمن الاقتصادي والاجتماعي بصفة عامة.
والمسؤولية عن هذا الوضع لا يمكن أن تبقى معلقة أو مجهولة.إنها، أولاً، مسؤولية سياسية تتحملها السلطة التي اختارت تعطيل الحوار الاجتماعي وتهميش المؤسسات التي تضمنه و هو ما يؤدي الى مازق قانوني تتحمل وحدها تبعاته.
وهي، ثانياً، مسؤولية مؤسساتية وإدارية تتحملها وزارة الشؤون الاجتماعية باعتبارها الجهة الحكومية المشرفة على علاقات الشغل والحوار الاجتماعي وتطبيق تشريع الشغل.
كما أن إصدار تعليمات إدارية تتعارض مع مقتضيات النصوص القانونية المنظمة للصلح وتسوية النزاعات يجعل الادارة في معضلة جدية تتعلق بمبدأ المشروعية، واحترام الاختصاصات، وحدود السلطة الترتيبية والإدارية، و المسؤولية القانونية للمسؤولين عنها.
الحوار الاجتماعي ليس مجالا للشعارات و التسويق الخارجي أوللتنظير في مناظرات الانتداب، بل هو ممارسة محمول على الدولة ان تمارسه في مؤسساتها وتحترمه في قراراتها. لسنا في حاجة إلى متفقدي شغل يحفظون فصول مجلة الشغل لاجتياز الامتحانات، بل إلى منظومة مؤسساتية تمكّنهم من تطبيق القانون وحماية الحقوق والقيام بمهامهم دون تعطيل أو تدخل.
فلا معنى لمناظرة تتحدث عن الصلح بينما تُجمّد جلسات التصالح، ولا معنى لبرنامج يتناول المفاوضة الجماعية بينما تُعطّل المفاوضات، ولا معنى للحديث عن المجلس الوطني للحوار الاجتماعي بينما تُهمّش المؤسسة التي أحدثها القانون.
إن جوهر الأزمة التي نعيشها اليوم يتمثل في اتساع الفجوة بين الدولة التي تنتج النصوص القانونية والدولة التي يُفترض أن تسهر على تطبيقها واحترامها.
