جريدة الشعب نيوز
آراء حرةوطني

الإعلام حاضر في تصنيف البرامج، غائب في رؤية الدولة،ومستقبل المهنة خارج الأولويات؟

تقدم مناقشة مشروع ميزانية الدولة لسنة 2027 مؤشراً جديداً على موقع الصحافة والإعلام في سلم أولويات السياسات العمومية، ليس من خلال غياب كلمة الإعلام عن الوثائق الرسمية، وإنما من خلال محدودية حضور قضايا القطاع في البرامج المعروضة والنقاشات المتعلقة بالاعتمادات المالية، مقابل التوسع في الحديث عن تحديث الإدارة والرقمنة والحوكمة وترشيد الموارد.
بلغت الاعتمادات المقترحة لمهمة رئاسة الحكومة لسنة 2027 نحو 377.924 مليون دينار، مسجلة تطوراً بنسبة 0.3 بالمائة مقارنة بالسنة السابقة،

ما المقصود بـ«الإعلام والاتصال والتكوين»؟
وتتوزع هذه الاعتمادات على ستة برامج هي: الإشراف، والرقابة، والإعلام والاتصال والتكوين، والتصرف في القطاع العمومي، وتحديث الخدمات الإدارية، والقيادة والمساندة.
ويكشف هذا التوزيع عن وجود برنامج يحمل تسمية «الإعلام والاتصال والتكوين» ضمن مهمة رئاسة الحكومة، لكن وجوده لا ينبغي أن يحجب سؤالاً أساسياً: هل يتعلق الأمر بسياسة عمومية موجهة إلى تطوير قطاع الصحافة والإعلام، أم ببرنامج يتصل أساساً بوظائف الاتصال الحكومي والتكوين والإعلام المؤسساتي لرئاسة الحكومة؟
ان التمييز بين الإعلام باعتباره وظيفة اتصالية للدولة، والإعلام باعتباره قطاعاً مهنياً ومؤسساتياً واقتصادياً وثقافياً، ليس مجرد اختلاف في التسمية، بل يعكس اختلافاً في التصور والأهداف والموارد والنتائج المنتظرة.
وتزداد أهمية هذا السؤال عندما نلاحظ أن العرض الذي قدمته رئاسة الحكومة في مناقشةً ميزانيات المهام في اللجان المعنية ركز على محورين استراتيجيين يتعلقان بتطوير الإشراف وتنسيق العمل الحكومي، وتحديث الإدارة وتعزيز ثقافة الأداء وترشيد الموارد وتحسين جودة الخدمات. كما انصبت تدخلات النواب أساساً على رقمنة الخدمات الإدارية، وتعطل المشاريع العمومية، وإصلاح المؤسسات والمنشآت العمومية، وتسوية الوضعيات المهنية وآليات التشغيل الهش. ولم يبرز اي نقاش مماثل حول مستقبل المؤسسات الإعلامية أو الإصلاحات الضرورية لإنقاذ القطاع وتطويره
ولا يتعلق الاعتراض هنا بضرورة إحداث مهمة وزارية مستقلة بالضرورة، أو بمجرد المطالبة بزيادة الاعتمادات المالية، وإنما بغياب تصور قطاعي واضح ومعلن يحدد ما الذي تريد الدولة تحقيقه في مجال الصحافة والإعلام خلال السنوات المقبلة، وما الموارد التي ستخصصها لذلك، وكيف ستقاس نتائج تدخلاتها.
ففي الوقت الذي تتوزع فيه الميزانيات على مختلف المهمات والبرامج، وتُضبط الأهداف والمؤشرات المتعلقة بتطوير الخدمات العمومية والاستثمار والتشغيل والرقمنة، يظل مستقبل الصحافة التونسية محكوماً بملفات متراكمة لا تجد مكاناً واضحاً في النقاشات المالية، رغم ارتباطها المباشر بمستقبل آلاف العاملين وبحق المجتمع في إعلام مهني وتعددي.

الاعلام العمومي وازمته المتشعبة
أول هذه الملفات يتعلق بالإعلام العمومي، الذي يواجه أزمة متشعبة تتصل بتجديد موارده البشرية، وتعويض الإحالات على التقاعد، وتراجع قدراته الإنتاجية، وتحديث تجهيزاته، وإعادة بناء نماذج عمله في بيئة إعلامية تغيرت جذرياً. وفي هذا السياق، يصبح غياب برنامج واضح للانتدابات والمناظرات المهنية أكثر من مجرد إشكال إداري، لأنه يهدد استمرارية الخبرات داخل المؤسسات، ويضعف قدرتها على إنتاج المضامين الصحفية والبرامجية، ويزيد من صعوبة القيام بوظائفها العمومية.
فالحديث عن إصلاح التلفزة التونسية والإذاعة الوطنية ووكالة تونس أفريقيا للأنباء مثلا لا يمكن أن يظل محصوراً في الحوكمة الإدارية أو إعادة الهيكلة المالية، بل يتطلب خطة متكاملة لتجديد الكفاءات، وفتح المناظرات، وتطوير التكوين، وتحسين ظروف العمل، وضمان استقلالية القرار التحريري. ولا يمكن مطالبة هذه المؤسسات بمنافسة المنصات الرقمية والقنوات الدولية، في الوقت الذي لا تتوفر فيه لها بالضرورة الموارد البشرية والتكنولوجية اللازمة.
أما الملف الثاني فيتعلق بالتحول الرقمي، الذي لم يعد مجرد تحديث للتجهيزات أو إطلاق مواقع إلكترونية وصفحات على الشبكات الاجتماعية، وإنما أصبح تحولاً شاملاً في طرق إنتاج الأخبار وتوزيعها واستهلاكها وتمويلها. فالذكاء الاصطناعي، والخوارزميات، والمنصات العابرة للحدود، والاقتصاد الجديد للمحتوى، تفرض على المؤسسات الإعلامية إعادة النظر في نماذجها الاقتصادية والمهنية، والاستثمار في الكفاءات والتكنولوجيات الجديدة.
ومن المفارقات أن الدولة التي تجعل من الرقمنة أحد محاور تحديث الإدارة لا تقدم، في المعطيات المنشورة عن مناقشة ميزانية رئاسة الحكومة، تصوراً قطاعياً مماثلاً لمواكبة المؤسسات الإعلامية لهذا التحول. فالسيادة الرقمية لا تتحقق بمجرد رقمنة الإدارة أو تطوير البنية التحتية للاتصالات، بل تحتاج أيضاً إلى محتوى وطني مهني، ومؤسسات قادرة على إنتاجه وتوزيعه، وصحفيين يمتلكون المهارات اللازمة للعمل في البيئة الرقمي.

أي مستقبل للصحافة المستقلة والخاصة؟
ولا يقل الملف الثالث أهمية، وهو مستقبل الصحافة المستقلة والخاصة. فهذه المؤسسات تواجه أزمة اقتصادية متزايدة بفعل تراجع سوق الإشهار التقليدي،وتنامي هشاشة التشغيل، وتراجع قدرة المؤسسات الصغيرة والجهوية على الاستمرار. كما يواجه الصحفيون المستقلون وضعاً مهنياً واجتماعياً لا يتناسب مع طبيعة التحولات التي يعرفها سوق العمل الصحفي.
وكان من المفترض أن تفتح مناقشة ميزانية 2027 المجال أمام التفكير في آليات جديدة لدعم الصحافة المستقلة، ومراجعة التشريعات الجبائية والاجتماعية التي تؤثر في استدامة المؤسسات، وتطوير صيغ تمويل الإنتاج الصحفي، وإيجاد حلول لمعضلة توزيع عائدات الإعلانات الرقمية، فضلاً عن توفير الحماية الاجتماعية للصحفيين المستقلين.
ماذا تفعل الدول الأخرى لحماية إعلامها؟
إن النظر إلى التجارب الدولية يكشف أن التعامل مع الإعلام باعتباره قطاعاً استراتيجياً لم يعد مقتصراً على الدول التي تمتلك تقاليد عريقة في الصحافة العمومية، بل أصبح جزء من السياسات الاقتصادية والثقافية والديمقراطية، خاصة مع التحولات التي فرضها الاقتصاد الرقمي.
ففي فرنسا، تم إقرار تمويل الإعلام العمومي من خلال تخصيص جزء من عائدات الضريبة على القيمة المضافة، بعد التخلي عن المساهمة السمعية البصرية العمومية التقليدية. ويشمل هذا التمويل مؤسسات مثل France Télévisions وRadio France وFrance Médias Monde وINA وARTE France. وقد أصبح هذا النظام دائماً بموجب تشريع سنة 2024، بما يوفر إطاراً مالياً مخصصاً لمؤسسات الخدمة العمومية السمعية البصرية.
أما في ألمانيا، فيعتمد تمويل مؤسسات الخدمة العمومية، وعلى رأسها ARD وZDF، أساساً على مساهمة سمعية بصرية تدفعها الأسر، مع وجود آلية مستقلة لتقييم الحاجيات المالية للمؤسسات وتقديم التوصيات المتعلقة بمستوى التمويل. وتكمن أهمية هذه التجربة في محاولة الفصل بين تحديد الحاجيات المالية للإعلام العمومي والتدخل السياسي المباشر في موارده.
ولا يعني استحضار هذه التجارب الدعوة إلى نقل نماذجها حرفياً إلى تونس، بل الاستفادة من مبدئها الأساسي: الإعلام العمومي يحتاج إلى تمويل مستقر ومتعدد السنوات، وإلى قواعد حوكمة تحمي استقلاليته، وإلى رؤية تضمن قدرته على التجديد والاستثمار، لا إلى معالجة ظرفية لأزماته المالية.

التجربة الأوروبية في التعامل مع أزمة الصحافة
وفي مستوى آخر، تقدم التجربة الأوروبية مثالاً مهماً في التعامل مع أزمة الصحافة المستقلة والتحولات الرقمية. فقد أعدت المفوضية الأوروبية دراسة خاصة حول تمويل المؤسسات الإعلامية في دول الاتحاد، نشرت سنة 2024، ورصدت فيها آليات الدعم العمومي للصحافة الخاصة، وأشكال تمويل الإعلام المحلي والجهوي، ودعم الابتكار والتعددية، وضرورة ضمان الشفافية في توزيع الأموال والإعلانات العمومية.
كما خصص الاتحاد الأوروبي، عبر برنامج «أوروبا المبدعة» وآليات أخرى، منحاً وشراكات لدعم الصحافة الاستقصائية والإعلام المحلي والجهوي والمشاريع الإعلامية المبتكرة، مع اشتراط ضمان الاستقلالية التحريرية للمؤسسات المستفيدة. وتكشف هذه المقاربة أن دعم الصحافة لا يُنظر إليه باعتباره امتيازاً تمنحه السلطة للمؤسسات القريبة منها، بل باعتباره استثماراً في التعددية الإعلامية وفي جودة النقاش العام.
وتكتمل هذه المقاربة بإقرار القانون الأوروبي لحرية الإعلام، الذي دخل حيز النفاذ في ماي 2024، وبدأ تطبيق معظم أحكامه في أوت 2025. ويضع هذا القانون إطاراً لحماية استقلالية المؤسسات الإعلامية، وضمان استقرار تمويل الإعلام العمومي، والحد من التدخل السياسي في القرار التحريري، وتعزيز شفافية الملكية وتوزيع الإعلانات العمومية.
ان هذه التجارب تطرح على تونس سؤالاً جوهرياً: لماذا لا تتحول مناقشة الميزانية إلى مناسبة لوضع سياسة عمومية للإعلام، تتجاوز منطق معالجة الأزمات المتفرقة، وتربط بين التمويل والاستقلالية والتشغيل والتكوين والتحول الرقمي؟
الشعبوية وتهميش الإعلام: من الاحتقار الرمزي إلى الإقصاء من السياسات العمومية
ان غياب الرؤية القطاعية لا يمكن فصله عن السياق السياسي والاتصالي الذي تتحرك فيه العلاقة بين السلطة والإعلام في تونس. فخلال السنوات الأخيرة، برزت خطابات وممارسات تتعامل مع الصحافة باعتبارها خصماً سياسياً، وتختزل دورها في إثارة الجدل أو التشويش على عمل السلطة، بدل الاعتراف بوظيفتها في مراقبة السياسات العمومية وطرح الأسئلة ومساءلة المسؤولين.

لماذا يسهل تأجيل إصلاح مؤسسات الإعلام العمومي
وهنا تتقاطع أزمة التمويل مع مناخ شعبوي ينظر إلى المؤسسات الوسيطة، ومنها وسائل الإعلام، باعتبارها عائقاً أمام التواصل المباشر بين الحاكم والمحكوم. فبدلاً من اعتبار الصحافة فضاءً ضرورياً لتعدد الآراء والتحقق من المعلومات وكشف الاختلالات، يجري أحياناً تقديمها باعتبارها طرفاً لا يمكن الوثوق به، أو مؤسسة ينبغي أن تكتفي بنقل الرواية الرسمية.
وتكمن خطورة هذا التصور في أنه لا يقتصر على الخطاب السياسي أو حملات التشكيك في الصحفيين، بل يمكن أن ينعكس على السياسات العمومية ذاتها. فعندما يغيب الاعتراف بأهمية الصحافة المستقلة، يصبح من السهل تأجيل إصلاح مؤسسات الإعلام العمومي، وعدم الاهتمام بملف الانتدابات، وترك المؤسسات الخاصة تواجه أزماتها الاقتصادية، والتعامل مع التحول الرقمي باعتباره شأناً تقنياً لا علاقة له بمستقبل المهنة.
كما أن اختزال الإعلام في وظيفة الاتصال الحكومي يمثل أحد أبرز مظاهر هذا الخلط. فالدولة تحتاج بالتأكيد إلى أجهزة اتصال تشرح سياساتها وتقدم المعلومات للمواطنين، لكن هذه الوظيفة لا يمكن أن تحل محل الصحافة، ولا أن تختزلها في دور ترويجي. فالاتصال الحكومي ينطلق من حاجة المؤسسة إلى إيصال رسالتها، بينما تنطلق الصحافة من حق الجمهور في الحصول على المعلومات ومساءلة المؤسسات والاطلاع على وجهات النظر المختلفة، فالإعلام المستقل ليس جهازاً تابعاً للسلطة ، ولا ينبغي أن يكون كذلك. كما أن الإعلام العمومي لا يمكن أن يتحول إلى أداة اتصال حكومي، لأن وظيفته الأساسية هي خدمة الجمهور والتعددية والمصلحة العامة، لا الدفاع عن خيارات السلطة القائمة.
إن ما تكشفه مناقشة ميزانية 2027 لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد سجال حول حجم الاعتمادات المالية أو المطالبة بإضافة برنامج جديد إلى قائمة البرامج الحكومية، فالمسألة أعمق من ذلك، وتتعلق بغياب رؤية متكاملة تحدد مستقبل الصحافة التونسية في السنوات المقبلة، وتضع أهدافاً قابلة للقياس في مجالات إصلاح الإعلام العمومي، وتجديد الموارد البشرية، ودعم الصحافة المستقلة، والتكوين، والتحول الرقمي، وحماية استقلالية المؤسسات.

من اجل تمويل مستقر للاعلام العمومي ودعم شفاف للاعلام المستقل
ومن هنا، تبرز مسؤولية مجلس نواب الشعب في تحويل النقاش المالي إلى نقاش فعلي حول السياسات العمومية، ومساءلة الحكومة عن أسباب غياب برنامج قطاعي واضح للإعلام، وعن مصير ملفات الانتدابات والمناظرات في المؤسسات العمومية، وعن الاستثمارات المخصصة للتطوير الرقمي، وعن آليات دعم المؤسسات الصحفية والصحفيين المستقلين.
كما أن مخطط التنمية 2026-2030 يفترض أن يكون إطاراً لإدماج الإعلام في الرؤية الاقتصادية والاجتماعية للدولة، باعتباره قطاعاً منتجاً للمعرفة وفرص العمل والقيمة المضافة، ومكوناً أساسياً من مكونات السيادة الثقافية والرقمية،فليس المطلوب أن تتحول الدولة إلى مالك لكل المؤسسات الإعلامية أو ممول لها دون ضوابط، وإنما أن تضطلع بمسؤوليتها في توفير بيئة تشريعية واقتصادية ومؤسساتية تسمح بوجود إعلام مستقل وقادر على الاستمرار، وأن تضمن تمويلاً مستقراً للإعلام العمومي، ودعماً شفافاً وعادلاً للصحافة الخاصة والمستقلة.
إن المفارقة الكبرى أن السلطة التي تتحدث عن السيادة الوطنية والتحول الرقمي وتحديث الإدارة، لا تقدم في النقاشات المالية تصوراً واضحاً لموقع الصحافة في هذه التحولات. وفي مناخ سياسي تتراجع فيه الثقة في المؤسسات الوسيطة، ويُنظر فيه إلى الإعلام أحياناً باعتباره عبئاً أو خصماً، يصبح غياب الرؤية المالية مؤشراً يستحق المساءلة،فالصحافة ليست نفقة إضافية يمكن الاستغناء عنها عند ترتيب الأولويات، وليست مجرد وسيلة لإيصال خطاب الدولة إلى المواطنين. إنها جزء من البنية الديمقراطية والاجتماعية والثقافية للبلاد، والاستثمار فيها هو استثمار في قدرة المجتمع على فهم واقعه ومراقبة السلطة ومناقشة خياراته وصناعة مستقبله.
والسلطة التي لا تضع مستقبل إعلامها ضمن حساباتها التنموية لا تؤجل فقط إصلاح قطاع مهني، بل تترك المجال مفتوحاً لمزيد من هشاشة المؤسسات، وتراجع الإنتاج الصحفي المهني، واتساع نفوذ المنصات الرقمية والخوارزميات في تشكيل الرأي العام، على حساب إعلام وطني قادر على إنتاج المعلومة والتحقق منها ومناقشتها.

مقالات مشابهة

جمعية النساء الديمقراطيات تحذّر من تواصل جرائم قتل النساء وحوادث نقل العاملات الفلاحيات

فريق النشر Echaab News

الإطار التنسيقي ينظم مائدة مستديرة حول مشروع ميزانية الدولة لسنة 2027

فريق النشر Echaab News

نقابة الصحفيين تدعو إلى المشاركة في إحياء اليوم العالمي لإنهاء الإفلات من العقاب

فريق النشر Echaab News