[” لقد كانت الحركة النقابية للأجراء في تونس إفرازا لمجتمع يعيش مرحلة إنتقالية من مجتمع ما قبل رأسمالي إلى مجتمع رأسمالي و من مجتمع مستعمر إلى مجتمع مستقل ، لذلك إتسمت بسمات غريبة أحيانا “]
الأستاذ الهادي التيمومي ( من كتاب ” تاريخ تونس الإجتماعي 1881- 1956 ” )
تنطبق هذه الملاحظة تماما على علاقة الهياكل النقابية للأجراء التونسيين بمواطنيهم من الأعراف و أرباب العمل و التي تعتبر غريبة و خاصة جدا Non Conventionnelle مقارنة بالتجارب النقابية في العالم ( خاصة في أوروبا ) و بالمبادئ و القواعد النظرية المؤسسة للفكر النقابي العمالي ( علاقة التضاد و الصراع التاريخي مع رأس المال ).

تتجلى خصوصية العلاقة و ” غرابتها ” في عديد الأمثلة و منها :
* ضمت جامعة عموم العملة التونسية الأولى – تأسست في 1924 – في صفوفها عديد الحرفيين ( الصنايعية ) ، التجار و أرباب العمل التونسيين.
* بداية من 19 نوفمبر 1932 ( تاريخ صدور الأمر العلي المنظم لحرية التنظم النقابي في تونس ) إلى حدود نهاية سنة 1934 تأسست أكثر من 20 نقابة تونسية العديد منها ” نقابات مختلطة “Syndicats mixtes تضم الأعراف و الأجراء (الصناع ) في نفس الوقت مثل نقابة البلغاجية ، نقابة الصبابطية ، نقابة السرّاجين ، نقابة الصيايغية و غيرها.
* ضم الإتحاد العام التونسي للشغل عند تأسيسه في 1946 عديد الحرفيين و صغار التجار السبب الذي عطّل إنضمامه إلى الجامعة النقابية العالمية FSM التي إعتبرته بناءا غلى شكوى غريمه الشيوعي الإتحاد النقابي لعملة القطر التونسي USTT منظمة غير عمالية.
* دعّمت قيادات الإتحاد العام التونسي للشغل بصفة مباشرة عقد المؤتمر التأسيسي ” لإتحاد نقابات الصنايعية و صغار التجار بالقطر التونسي ” في جانفي 1947 و حثت منخرطيها من الحرفيين و التجار على الإنضمام إليه.
* ساهم العديد من قياديي الحركة العمالية في تأسيس منظمة الأعراف التونسية و أشهرهم بلقاسم القناوي مؤسس جامعة عموم العملة التونسية الثانية ( الذي إنسحب من المنظمة سنة 1948 رفضا لتغيير إسمها من “إتحاد نقابات الصنايعية و صغار التجار بالقطر التونسي” إلى “الإتحاد التونسي للتجارة و الصناعة” و ما يعنيه ذلك من فتح الإنخراط فيها أمام كبار التجار و الصناعيين ).
* مشاركة الإتحاد العام التونسي للشغل مع إتحاد الصناعة و التجارة للحزب الحاكم أكثر من مرة في تأليف قائمات إنتخابية أهمها قائمة الجبهة القومية في إنتخابات المجلس القومي التأسيسي في أفريل 1956.
كل هذه الأمثلة و غيرها تؤكد على أن الحركة النقابية للأجراء ساهمت بعمق في تشكيل وعي الأعراف و أرباب العمل التونسيين و في بعث و تكوين هياكلهم التمثيلية. و أن سياسة الشراكة ، التعاقد و الحوار التي ميّزت العلاقة بين الهياكل التونسية الممثلة للعمال و للأعراف في المرحلة اللاحقة – طوال فترة الإستقلال – لم تكن تكتيكا أو قرارا مسقطا أو مفروضا من جهة ما أو شخص بعينه بل خيارا تاريخيا واعيا لممثلي الحركة العمالية التونسية بضرورة تقديم المصلحة الوطنية على المصلحة الفئوية و حتى التضحية في سبيل مراكمة رأس مال وطني يقطر إقتصاد البلاد و يرتقي بها.
الصورة الرئيسية : لقطة طريفة و معبرة تجمع كل من الحبيب بورقيبة رئيس الجمهورية التونسية و الفرجاني بالحاج عمار رئيس الإتحاد التونسي للصناعة و التجارة و الحبيب عاشور الأمين العام للإتحاد العام التونسي للشغل و في الخلفية الوزير مدير الديوان الرئاسي آنذاك عبد الله فرحات وهو من مؤسسي الاتحاد العام التونسي للشغل.
