الشعب نيوز / تونس – حذّرت الجامعة العامة للتعليم الثانوي من تدهور الأوضاع داخل المؤسسات التربوية وتصاعد مظاهر التوتر في القطاع، معتبرة أن المدرسة العمومية لم تعد قادرة على تحمّل مزيد من الارتجال والتجريب والحلول الترقيعية، في ظل ما وصفته بعجز وزارة التربية عن استشراف الحاجيات الضرورية للمنظومة التربوية واتخاذ القرارات المناسبة لضمان السير العادي للعملية التعليمية.
وأوضحت الجامعة، في بيان صادر عنها بتاريخ 7 نوفمبر 2026 تحت عنوان «المدرسة العمومية لا تتحمل كل هذا العبث»، أن الوضع التربوي بلغ مستويات متقدمة من التردي، نتيجة ما اعتبرته قرارات اعتباطية واستخفافاً بمقتضيات المرفق التربوي وبالحد الأدنى من شروط العملية التعليمية، مؤكدة أن المدرسين والتلاميذ والعائلات التونسية هم من يتحملون تبعات هذه الاختلالات.
واعتبرت الجامعة أن القناعة أصبحت راسخة لدى الأساتذة بأن ما تشهده المدرسة العمومية من تراجع يمثل، وفق تقديرها، سياسة ممنهجة تمسّ من مكانة التعليم العمومي وحقوق المربين ومكاسبهم التي تحققت عبر عقود من النضال النقابي.
وفي هذا الإطار، أشارت إلى جملة من الإشكاليات المهنية والبيداغوجية، من بينها الالتفاف على حركة النقل، والاكتظاظ داخل الفصول، وإثقال كاهل الأساتذة بساعات تدريس إضافية نتيجة العجز عن سد الشغورات، فضلاً عن الإخلال بالتوزيع البيداغوجي والتصرف في البرامج الرسمية خارج الأطر والضوابط المعمول بها.
كما نبهت إلى تدهور وضعية الفضاءات التربوية وما تتعرض له تجهيزاتها من حرق وإتلاف واعتداءات، معتبرة أن المؤسسات التعليمية أصبحت عرضة للانتهاكات في ظل غياب الظروف الملائمة لحماية حرمتها وضمان سلامة مكوناتها.
وشددت الجامعة العامة للتعليم الثانوي على أن ما يحدث لا يقتصر على خلافات مهنية أو إدارية، بل يمثل، بحسب موقفها، مساساً بجوهر الحق في التعليم وضرباً لمبدأ تكافؤ الفرص وإهداراً لكرامة التلميذ التونسي، الذي من حقه التمتع بمدرسة عمومية تحترم إنسانيته وتضمن له تعليماً جيداً.
كما اعتبرت أن المربي لا يمكن أن يتحمل مسؤولية إنقاذ منظومة تربوية تتنصل سلطة الإشراف من مسؤولياتها تجاهها، في الوقت الذي تواصل فيه استنزاف المدرسين والتنكر لحقوقهم ومستحقاتهم، وخاصة الالتزامات الواردة في اتفاقية 23 ماي 2023.
وفي سياق تشخيصها للأزمة، سجلت الجامعة مواصلة وزارة التربية، وفق تعبيرها، نهجاً تسلطياً في التعامل مع الحق النقابي، من خلال التضييق على المسؤولين النقابيين واستهدافهم أثناء قيامهم بمهامهم في الدفاع عن منظوريهم، معتبرة أن هذه الممارسات تهدف إلى إضعاف العمل النقابي والاستفراد بالمربين وفرض القرارات بصورة انفرادية.
كما أشارت إلى اعتماد أساليب وصفتها بسياسة التجويع، من خلال الاقتطاع من المرتبات، فضلاً عن تقديم نقابيين إلى القضاء على خلفية تدوينات تنتقد ممارسات الوزارة وتكشف تجاوزاتها.
واعتبرت الجامعة أن هذه الممارسات تمثل خرقاً للالتزامات الدولية التي صادقت عليها الدولة التونسية، وخاصة الاتفاقية الدولية عدد 135 لسنة 1971 المتعلقة بحماية ممثلي العمال وضمان حقوقهم، والاتفاقية عدد 151 لسنة 1978 المتعلقة بالحق النقابي في الوظيفة العمومية.
كما انتقدت إصرار وزارة التربية على فرض منظومة «الحياة المدرسية» (Vie Scolaire)، رغم ما كشفت عنه، بحسب البيان، من إخلالات وتعطيل وارتباك في التسيير الإداري والبيداغوجي، معتبرة أن مواصلة اعتمادها تمثل فرضاً لسياسة الأمر الواقع وتحويل المؤسسات التربوية إلى فضاءات لتجريب منظومات لم تستكمل شروط الجاهزية الضرورية.
وأمام هذه الأوضاع، أعلنت الجامعة العامة للتعليم الثانوي إدانتها الشديدة لسياسة الدولة وخياراتها في مجال التربية والتعليم، معتبرة أنها تندرج ضمن مسار تصفية المكاسب الاجتماعية والخدمات العمومية، وفي مقدمتها الخدمة التربوية.
كما نددت بما وصفته بضرب الحق النقابي واستهداف النقابيات والنقابيين، معتبرة أن هذا التوجه لا يقتصر على قطاع التعليم، بل يمتد إلى قطاعات أخرى.
وأكدت الجامعة تمسكها بأن حقوق المدرسين ومكتسباتهم ليست مجالاً للمساس أو التراجع كلما عجزت الوزارة عن الإيفاء بالتزاماتها، مشددة في المقابل على أن حق التلميذ في تعليم عمومي راقٍ وجيد ليس مجرد شعار، وإنما مسؤولية تتحملها الدولة والتزام لا يمكن التفريط فيه.
وفي ما يتعلق بمعالجة النقص في الإطار التربوي، رفضت الجامعة اعتماد سياسة تسديد الشغورات عبر استنزاف المدرسين وتحميلهم أعباء إضافية، عوض انتداب أصحاب الشهائد المعطلين عن العمل. كما رفضت الحلول الترقيعية التي من شأنها، وفق تقديرها، الإضرار بمبدأ تكافؤ الفرص بين التلاميذ.
ومن بين النقاط التي أثارتها أيضاً، رفضها توزيع جدول أستاذ أحيل على شرف المهنة أو أستاذ يتمتع بعطلة مرضية طويلة الأمد على أحد زملائه، بما يحمّله ساعات تدريس إضافية، وفي الوقت نفسه يحرم التلاميذ من حقهم في التمتع بكامل ساعات التدريس المخصصة لكل مادة.
كما عبّرت عن رفضها تكليف الأساتذة بصورة قسرية بمهام إدارية ورقمية إضافية لا تدخل ضمن مشمولاتهم، من بينها تنزيل الأعداد على المنصة الرقمية وتسجيل غيابات التلاميذ، إلى جانب أعباء أخرى قالت إن الوزارة تقررها بصورة اعتباطية، في ظل ما وصفته بإغلاق باب التفاوض مع الطرف النقابي.
وفي ختام بيانها، دعت الجامعة العامة للتعليم الثانوي جميع الأساتذة إلى مواصلة تنزيل الأعداد بالطريقة المعتادة، كما وجهت نداءً إلى الأساتذة والهياكل النقابية الأساسية والجهوية من أجل رص الصفوف وتوحيد المواقف والاستعداد لمختلف الأشكال النضالية دفاعاً عن الحقوق والمكاسب المهنية والاجتماعية التي اعتبرت أنها تتعرض للتصفية الممنهجة.
ويعكس هذا البيان تصاعد حدة الخلاف بين الجامعة العامة للتعليم الثانوي ووزارة التربية بشأن الملفات المهنية والبيداغوجية والحقوق النقابية، في وقت تضع فيه الجامعة مستقبل المدرسة العمومية وحقوق المدرسين والتلاميذ في صدارة مطالبها، داعية إلى معالجة الاختلالات القائمة عبر الحوار والتفاوض واحترام الالتزامات السابقة.
