ينطلق غدا الإثنين 9 نوفمبر 2026 الأسبوع الدولي للعلم والسلام الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1988، تأكيدا على الصلة بين التقدم العلمي والتكنولوجي وصون السلم والأمن الدوليين وتعزيز التعاون بين الشعوب.و تأتي هذه المناسبة لتعيد طرح قضية المعرفة باعتبارها حقا إنسانيا وأحد شروط التنمية والعدالة الاجتماعية، ولتضع أمام المجتمعات سؤالا يتجاوز امتلاك التكنولوجيا إلى القدرة على إنتاجها وإتاحة ثمارها للجميع.
في تونس، يظل الحديث عن تطوير التعليم مرتبطا بواقع المدرسة العمومية والتفاوت في شروط التعلم بين الجهات والفئات الاجتماعية.
ففي الوقت الذي تتجه فيه البرامج نحو إدماج التكنولوجيا واللوحات الرقمية في العملية التعليمية، ما زالت مؤسسات تربوية تعاني نقص التجهيزات الأساسية وانقطاع الماء والكهرباء وضعف الصيانة، حتى إن بعض المدارس تفتقر إلى شروط الصحة والسلامة.
وتشير معطيات المرصد التونسي للاقتصاد إلى أن عددا كبيرا من المدارس الابتدائية العمومية لم يكن متصلا بشبكة الماء الصالح للشرب خلال السنة الدراسية 2023-2024.
وقد كشفت فاجعة معهد المزونة في أفريل 2025 التي أودت بحياة ثلاثة تلاميذ إثر انهيار سور المؤسسة، عن الكلفة الإنسانية لتدهور البنية التحتية وغياب الصيانة الوقائية.
وتتخذ الفوارق التعليمية وجها آخر في المناطق الريفية والداخلية، حيث تصبح المسافة بين المنزل والمدرسة عائقا أمام الحق في التعلم، فأطفال يقطعون مسافات طويلة سيرا على الأقدام وعائلات تعجز عن توفير كلفة التنقل وتلامذة يرتبط انتظامهم في الدراسة بتوفر النقل المدرسي واستمراره، وهي عوامل تساهم في الغياب والانقطاع المبكر عن الدراسة، وتكون الفتيات في بعض المناطق أكثر عرضة لهذه العوائق.
كما تكشف معطيات وزارة التربية عن استمرار الانقطاع المدرسي بنسب مقلقة خاصة في المرحلتين الإعدادية والثانوية.
ولا تنفصل هذه التحديات عن التحول الرقمي الذي أصبح جزءا من مستقبل التعليم وإنتاج المعرفة، فالتجارب المتعلقة برقمنة التعليم وإدماج اللوحات الإلكترونية في العملية التعليمية تفتح إمكانات جديدة للتعلم، لكنها لم تشمل إلى اليوم جميع المؤسسات التربوية ولا يمكن أن تحقق أثرها ما لم تتوفر البنية التحتية والاتصال بالإنترنت والتكوين والمرافقة البيداغوجية.
كما أن المدرسة الدامجة تظل مقياسا حقيقيا للإنصاف، إذ لا تكتمل العدالة التعليمية ما دام طفل من ذوي الإعاقة يواجه عوائق تحول دون تعلمه ومشاركته.
وتمتد مسؤولية التعليم إلى خارج سن الدراسة من خلال برامج تعليم الكبار و التعلم مدى الحياة ومقاومة الأمية.
وقد اتجهت تونس إلى تطوير استراتيجية وطنية للتعلم مدى الحياة، تقوم على توسيع فرص التعلم وتعزيز الإدماج الاقتصادي والاجتماعي، وهي خطوة تكتسب أهميتها من ضرورة إتاحة المعرفة لمن حرموا من فرص التعليم في مراحل سابقة، وربط محو الأمية باكتساب المهارات والاستقلالية والمشاركة في الحياة العامة.
ولا يمكن الحديث عن جودة التعليم وتطوير المعرفة بمعزل عن أوضاع العاملين في القطاع التربوي والتعليم العالي.
فالمعلم والأستاذ وأستاذ التعليم العالي جزء أساسي من إنتاج المعرفة ونقلها وتطويرها، وتظل قدرتهم على أداء رسالتهم مرتبطة بظروف عمل تحفظ كرامتهم وحقوقهم المهنية والاجتماعية وتضمن الاستقرار والتكوين والتقدير المادي والمعنوي.
ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة في قطاعات تربوية راكمت أكثر من قرن من العمل النقابي، إذ يظل الحق النقابي و الحوار الاجتماعي من شروط استقرار المؤسسات وتطوير أدائها، ويطرح التضييق على الحقوق النقابية وتعطيل الحوار داخل بعض المؤسسات تناقضا مع ما يفترض أن تضطلع به المدرسة والجامعة من دور في ترسيخ قيم المواطنة والحوار والحقوق.
كما تبرز هجرة الكفاءات بوصفها قضية تتجاوز الاختيارات الفردية للباحثين والمهنيين لتلامس قدرة البلاد على تثمين مواردها البشرية وتوفير بيئة علمية مستقرة ومختبرات مجهزة وتمويل للبحث وآفاق مهنية تسمح بالإبداع والإنتاج.
ومن هنا تبرز أهمية التعاون العلمي والدبلوماسية العلمية في تبادل الخبرات وتوجيه التقدم التكنولوجي نحو احتياجات الإنسان، بعيدا عن احتكار المعرفة وتعميق التبعية.
ويظل السؤال المطروح في تونس هو مدى قدرتنا على بناء مدرسة آمنة ومنصفة وجامعة منتجة ومنظومة تعلم تستوعب مختلف الفئات والأعمار وبيئة تحترم الكفاءات وتضمن للمربين والباحثين حقوقهم حتى يصبح العلم حقا اجتماعيا متاحا للجميع وأداة فعلية لبناء تنمية عادلة وشاملة.
