بقلم الفاهم بوكدوس – تواجه مؤسسة التلفزة التونسية اليوم تحديات عميقة تفرض مراجعة جذرية لخطابها الإعلامي، على أسس واضحة تجعل من الإصلاح مسارًا فعليًا لا مجرد شعار.
ويبدأ هذا الإصلاح أولًا من المضامين، أي من طبيعة المحتوى الذي يُقدَّم للمشاهد. فلا يمكن الحديث عن إعلام عمومي حديث دون ترسيخ التنوع والتعددية في الطرح، بما يعكس مختلف الآراء والتوجهات داخل المجتمع.
كما يبرز هنا الدور الجوهري للمرفق العمومي كوسيلة قُرب حقيقية من المواطن، تنقل انشغالاته اليومية وتعكس واقعه دون تزييف. ففي ظل أزمة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، تتجلى ابرز مظاهرها في ارتفاع الأسعار، وتدهور الخدمات الاجتماعية، واتساع رقعة الفقر والبطالة، يصبح من واجب الصحفي أن يتعامل مع هذه القضايا بجدية ومسؤولية، فهي ملفات لا تحتمل التزيين أو التهوين أو التوظيف الدعائي، بل تتطلب معالجة مهنية صادقة تضع مصلحة المواطن في صدارة الأولويات.
أما الركيزة الثانية، فهي إرساء هيئة تحرير مستقلة ومهنية حيث تُعدّ من أولى الأبجديات التي لا يمكن القفز عليها أو تأجيلها. فوجود هذه الهيئة ليس ترفًا تنظيميًا، بل شرطًا أساسيًا لضمان وضوح الخط التحريري واستقراره، كما أنها الإطار الذي يمكّن الصحفيين من العمل في بيئة تحترم المعايير المهنية وتحميهم من الضغوطات. والأهم أن بعث هيئة تحرير فاعلة لا يتطلب وقتًا طويلًا، بل قرارًا واضحًا وإرادة حقيقية، باعتبارها نقطة الانطلاق لأي إصلاح جدي في الخطاب الإعلامي.
وفي مستوى ثالث، فإن اي اصلاح يمر ضرورة عبر دعم صورة الصحفي في المجتمع والذي لا يمكن أن يتحقق إلا عبر تعزيز مكانته داخل المؤسسة نفسها، فالصحفي الذي يُعامل باحترام، وتُوفر له ظروف عمل ملائمة، ويُمنح الثقة في أداء مهامه، يكون أكثر قدرة على إنتاج محتوى مهني وذي مصداقية. كما أن إبراز دوره وتثمين عمله داخل المؤسسة ينعكس إيجابًا على صورته لدى الجمهور، ويعيد الاعتبار لمهنة الصحافة كركيزة أساسية في بناء وعي مجتمعي سليم.
أما الركيزة الرابعة، فهي أنه لا يمكن الحديث عن أي إصلاح حقيقي دون تحسين الأوضاع المهنية والمادية للصحفيين. فاستمرار تدهور هذه الأوضاع، وتعطل تنقيح النظام الأساسي لسنوات رغم ارتفاع نسب التضخم، يمثل عائقًا حقيقيًا أمام تطوير المهنة، بل إن كل تباطؤ في هذا الملف يُفهم كاستهداف مباشر للصحفيين ومسّ من كرامتهم المهنية. لذلك، فإن الإسراع في مراجعة النظام الأساسي، وضمان حقوق الصحفيين من أجور عادلة وحماية اجتماعية وفرص تطوير، هو المدخل الضروري لأي إصلاح جاد ومستدام للإعلام العمومي.
