يتحدّث الكثيرون عن الاقتصاد الموازي باعتباره مشكلة جبائية أو نقدية فقط، لكن قلّة من ينتبهون إلى أن أولى ضحاياه هي الصناديق الاجتماعية .
فكل مؤسسة لا تصرّح بأجرائها، وكل عامل يشتغل خارج المنظومة القانونية، وكل أجر يُخفى جزء منه عن التصريح… هو في الحقيقة مساهمة مفقودة كان من المفترض أن تدعم جرايات التقاعد والتغطية الاجتماعية والتأمين على
المرض.
اليوم، تتفاقم أزمة الصناديق الاجتماعية سنة بعد أخرى، ليس فقط بسبب ارتفاع عدد المتقاعدين أو تأخر الإصلاحات، بل أيضًا لأن قاعدة المساهمين تتقلص في حين تتسع دائرة المنتفعين.
خارج دائرة المساهمة
المفارقة المؤلمة أن آلاف الأشخاص يشتغلون يوميًا ويحققون مداخيل، لكنهم خارج دائرة المساهمة في تمويل المنظومة التي سيطالبونها غدًا بالحماية الاجتماعية والتقاعد والعلاج.
إنّ استمرار توسّع الاقتصاد الموازي وضعف الإدماج المالي لا يعني فقط أموالًا خارج البنوك، بل يعني أيضًا:
– موارد أقل للصناديق الاجتماعية.
– عجزًا ماليًا أكبر.
– ضغوطًا متزايدة على ميزانية الدولة.
– إصلاحات أكثر إيلامًا في المستقبل.
الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن إنقاذ الصناديق الاجتماعية لا يمرّ فقط عبر الترفيع في سن التقاعد أو زيادة المساهمات، بل يمرّ أساسًا عبر توسيع قاعدة المنخرطين، ومقاومة العمل غير المصرّح به، وإدماج الاقتصاد الموازي في الدورة الرسمية للاقتصاد.
فلا يمكن لمنظومة اجتماعية أن تستمر في أداء دورها التضامني إذا ظلّ جزء متزايد من النشاط الاقتصادي خارج المساهمة في تمويلها.
خيارات وسياسات خاطئة
إنّ أزمة الصناديق الاجتماعية ليست قدراً محتوماً، بل هي نتيجة لضياع سنوات من الخيارات والسياسات الخاطئة وتأخر في تركيز الإصلاحات اللازمة. وكل يوم يمرّ دون معالجة حقيقية للاقتصاد الموازي هو يوم يزداد فيه العجز وتتقلص فيه فرص الإنقاذ.
لذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست ضدّ المتقاعدين ولا ضدّ الأجراء، بل ضدّ التهرب من التصريح، وضدّ الاقتصاد غير المنظم، وضدّ كل ما يحرم الصناديق الاجتماعية من مواردها الشرعية.
من يريد إنقاذ الصناديق الاجتماعية، عليه أولاً أن يعمل على إعادة الاقتصاد إلى المسالك الرسمية… لأن مستقبل التقاعد والتغطية الاجتماعية يبدأ من هناك .
في جملة واحدة
المال لا يعود إلى المنظومة الرسمية لأن الدولة تطلب منه ذلك، بل عندما تصبح المنظومة الرسمية أقل كلفة، أقل تعقيدًا، وأكثر فائدة من البقاء خارجها.
وبالنسبة لتونس، يمكن تلخيص التحدي في معادلة بسيطة :”كلما ارتفعت الثقة وانخفضت البيروقراطية والضغط الجبائي، تقلص الاقتصاد الموازي وعادت السيولة إلى البنوك تلقائيًا و إنتعشت الصناديق الإجتماعية بموارد أكثر.”

* صورة لحسابات البنك المركزي التونسي ويظهر في الدائرة حجم الاموال المتداولة نقدا.
