جريدة الشعب نيوز
دولينقابي

بعد دورتين من المفاوضات الشاقة : كيف وُلدت أول اتفاقية دولية للعمل اللائق في إقتصاد المنصات ؟

بأغلبية 406 أصوات مؤيدة مقابل 8 أصوات معارضة و36 حالة امتناع عن التصويت، اعتمد مؤتمر العمل الدولي في دورته الرابعة عشرة بعد المائة أول اتفاقية دولية بشأن العمل اللائق في اقتصاد المنصات.
ويأتي هذا القرار في ختام مسار تفاوضي امتد على سنتين كاملتين، بدأ خلال الدورة 113 بمناقشات اتسمت بصعوبة التوصل إلى توافق حتى حول طبيعة الأداة المعيارية المطلوبة.
فبينما دعت مجموعة العمال وعدد من الحكومات إلى إعداد اتفاقية مصحوبة بتوصية، تمسكت مجموعة أصحاب العمل بخيار الاكتفاء بتوصية غير ملزمة.
وبعد مشاورات مطولة تم الاتفاق على مواصلة العمل على الصكين معاً، لتنتقل المناقشات خلال الدورة 114 إلى مرحلة أكثر تعقيداً تمثلت في صياغة الأحكام ومناقشة التنقيحات المتعلقة بمختلف جوانب العمل عبر المنصات.
وقد عكست المناقشات حجم التحديات التي فرضها هذا النمط الجديد من العمل، سواء فيما يتعلق بتحديد الوضع المهني للعاملين، أو بالحماية الاجتماعية، أو بالحقوق النقابية، أو بإدارة العمل من خلال الخوارزميات والأنظمة الآلية.
كما كشفت عن تباين المقاربات بين الأطراف الثلاثة حول حدود مسؤولية المنصات الرقمية والضمانات الواجب توفيرها للعاملين الذين يعتمدون عليها كمصدر رزق. ورغم هذه الصعوبات، انتهت أعمال المؤتمر باعتماد أول اتفاقية دولية مخصصة لاقتصاد المنصات، في خطوة تعكس دخول هذا القطاع إلى دائرة معايير العمل الدولية بعد سنوات من التوسع المتسارع خارج الأطر التنظيمية التقليدية.
أصبح اقتصاد المنصات واقعاً قائماً في مختلف أنحاء العالم، ولم يعد يقتصر على عدد محدود من التطبيقات أو الخدمات. فقد أعادت المنصات الرقمية صياغة العلاقة بين مقدم الخدمة وطالبها، وخلقت أشكالاً جديدة من العمل تقوم على الوساطة الرقمية وتوظيف البيانات والخوارزميات في تنظيم النشاط الاقتصادي.
وأمام هذا التوسع المتسارع، وجدت الحكومات والنقابات ومنظمات أصحاب العمل نفسها أمام أسئلة لم تكن مطروحة بهذا الشكل من قبل: من هو صاحب العمل؟ وما هي حدود مسؤولية المنصة؟ وكيف يمكن ضمان الحقوق الأساسية للعاملين عندما تصبح الخوارزمية هي التي توزع المهام وتقيم الأداء وتقرر أحياناً استمرار العامل في النشاط أو استبعاده منه؟
وقد أتاح هذا النمو فرصاً جديدة للعمل والدخل لفئات واسعة من العمال، وفتح مجالات لم تكن متاحة من قبل أمام الكثير من الشباب والنساء وأصحاب الكفاءات.
كما مكن مؤسسات صغيرة ومتوسطة من الوصول إلى أسواق جديدة ومن الاستفادة من التحول الرقمي الذي يشهده الاقتصاد العالمي.
غير أن هذا التطور السريع أفرز في الوقت ذاته أوضاعاً مهنية لم تستطع التشريعات الوطنية ولا معايير العمل الدولية القائمة الإحاطة بها بشكل كامل.
فالعامل عبر المنصة قد يخضع لتحديد الأسعار من قبل المنصة، ولتقييمات مستمرة، ولمراقبة رقمية دائمة، ولخوارزميات تحدد ترتيب حصوله على العمل أو استبعاده منه، دون أن يكون وضعه القانوني واضحاً في كثير من الأحيان. كما أن عدداً كبيراً من العاملين في هذا القطاع ظل خارج أنظمة الحماية الاجتماعية أو يتمتع بحماية محدودة مقارنة بالعاملين في القطاعات التقليدية.
وقد شكلت الدورة 113 لمؤتمر العمل الدولي سنة 2025 محطة أساسية في مسار بناء هذا المعيار الدولي الجديد.
ولم يكن النقاش آنذاك يدور حول تفاصيل الحقوق الواجب ضمانها فقط، بل حول طبيعة الأداة المعيارية التي يفترض اعتمادها.
فقد تمسكت مجموعة العمال، مدعومة بعدد من الحكومات، بضرورة إعداد اتفاقية دولية مصحوبة بتوصية، باعتبار أن حجم التحولات التي يشهدها اقتصاد المنصات يستوجب إطاراً معيارياً يوفر التزامات واضحة للدول الأعضاء.
في المقابل، رأت مجموعة أصحاب العمل أن التوصية كافية لمعالجة الموضوع، وأن اللجوء إلى اتفاقية ملزمة قد لا ينسجم مع الطبيعة المتغيرة لهذا القطاع ومع تنوع النماذج الاقتصادية والتنظيمية التي تقوم عليها المنصات الرقمية.
وعندما افتتحت الدورة 114 لمؤتمر العمل الدولي في جوان 2026، انتقل النقاش إلى مرحلة أكثر تعقيداً تمثلت في دراسة النصوص المقترحة مادة بمادة.
وخلال أعمال اللجنة المعيارية الخاصة بالعمل اللائق في اقتصاد المنصات، تقدمت الحكومات ومجموعة العمال ومجموعة أصحاب العمل بمئات التنقيحات التي عكست اختلافاً واضحاً في المقاربات المتعلقة بتنظيم هذا القطاع.
وقد تمحورت إحدى أكثر القضايا حساسية حول الوضع المهني للعاملين عبر المنصات. فبينما دافعت مجموعة العمال عن ضرورة التصدي للتصنيف الخاطئ للعاملين الذين يخضعون عملياً لسلطة المنصة وإدارتها، دعت أطراف أخرى إلى ترك مسألة تحديد العلاقة المهنية للتشريعات والممارسات الوطنية، مع مراعاة خصوصية النماذج المختلفة للعمل عبر المنصات.
كما برزت خلافات مهمة بشأن الحماية الاجتماعية، وتمويل أنظمتها، ومدى مسؤولية المنصات تجاه العاملين الذين يعتمدون عليها كمصدر رئيسي للدخل.
وشملت النقاشات أيضاً قضايا تتعلق بالحقوق النقابية والمفاوضة الجماعية والحوار الاجتماعي، وهي مسائل اكتسبت بعداً جديداً في ظل طبيعة العمل الرقمي الذي لا يجمع العاملين في فضاء مهني واحد كما هو الحال في المؤسسات التقليدية.
ومن بين أكثر الملفات التي استأثرت بالنقاش الإدارة الخوارزمية للعمل.
فقد ناقشت اللجنة كيفية التعامل مع الأنظمة الآلية التي تتحكم في توزيع المهام وتحديد الأولويات وتقييم الأداء واتخاذ قرارات قد تؤثر مباشرة على دخل العامل أو إمكانية استمراره في العمل. وأصبح موضوع الشفافية في عمل الخوارزميات وحق العامل في معرفة الأسس التي تقوم عليها هذه القرارات من القضايا المركزية في المفاوضات.
كما احتلت مسألة تعليق الحسابات أو إلغائها حيزاً مهماً من المناقشات.
فالعامل في اقتصاد المنصات قد يفقد مصدر رزقه بالكامل نتيجة قرار يصدر عن المنصة بتعليق حسابه أو تعطيله.
لذلك شهدت هذه المواد نقاشات مطولة حول الضمانات الواجب توفيرها والإجراءات التي ينبغي اعتمادها لمنع القرارات التعسفية أو غير المبررة.
ورغم حجم الخلافات، تمكن المؤتمر من اعتماد اتفاقية تضمنت مكاسب مهمة للعاملين في اقتصاد المنصات. فقد تناولت للمرة الأولى على المستوى الدولي قضايا مرتبطة مباشرة بإدارة العمل بواسطة الخوارزميات والأنظمة الآلية، وأقرت حقوقاً تتعلق بالحصول على المعلومات والشفافية في القرارات التي تؤثر على العاملين.
كما نصت على اتخاذ تدابير تضمن التحديد الصحيح للوضع المهني للعاملين استناداً إلى الوقائع الفعلية للعلاقة المهنية، بما يسمح بالحد من حالات التصنيف غير السليم التي قد تؤدي إلى حرمان العمال من الحقوق المرتبطة بعلاقة الشغل.
وتتضمن الاتفاقية أحكاماً تتعلق بحماية العاملين من القرارات التعسفية المرتبطة بتعليق الحسابات أو تعطيلها أو إنهاء العلاقة المهنية مع المنصة، باعتبار أن هذه القرارات قد تكون لها آثار مباشرة على الدخل والاستقرار المهني.
وتحضر الحقوق النقابية بدورها ضمن أحكام الاتفاقية من خلال التأكيد على حرية التنظيم والمفاوضة الجماعية والحوار الاجتماعي، إلى جانب تناول مسائل مرتبطة بالحماية الاجتماعية والسلامة والصحة المهنية وحماية البيانات الشخصية وعدم التمييز.
كما تعالج الاتفاقية أوضاعاً لم تكن تحظى سابقاً باهتمام خاص في معايير العمل الدولية، مثل الآثار المترتبة عن إيقاف نشاط المنصة أو انسحابها من سوق معينة أو اتخاذها قرارات تؤدي إلى فقدان عدد كبير من العاملين لمصدر دخلهم.
لا تنهي هذه الاتفاقية الجدل حول مستقبل العمل في اقتصاد المنصات، لكنها تضع لأول مرة مرجعاً دولياً مشتركاً للتعامل مع القضايا التي أفرزها هذا النموذج الاقتصادي.
فبعد سنوات من التوسع السريع للمنصات الرقمية، أصبح للعاملين فيها إطار معياري دولي يمكن الاستناد إليه عند تطوير التشريعات والسياسات الوطنية.
أما التحدي القادم، فلن يكون في صياغة المبادئ، بل في تحويلها إلى حقوق فعلية تنعكس على أوضاع ملايين العاملات والعمال الذين أصبحوا جزءاً أساسياً من عالم العمل المعاصر.

مقالات مشابهة

مؤتمر العمل الدولي : النقابات تُرسّخ معيارًا دوليًا للعاملين في منصات العمل الإلكترونية

فريق النشر Echaab News

فاجعة المزونة : دعوات لإصلاح منظومة السلامة المهنية ووضع حدّ لـ”شاحنات الموت”

فريق النشر Echaab News

موظفو TLF Factoring يؤكدون التزامهم بخوض الإضراب العام القطاعي

فريق النشر Echaab News