الشعب نيوز / كاظم بن عمار – يحيي التونسيون، اليوم الأحد 19 جويلية 2026، الذكرى الخامسة والستين لمعركة بنزرت، إحدى أبرز المحطات في تاريخ الكفاح الوطني، والتي مثلت منعطفًا حاسمًا في مسار استكمال السيادة الوطنية، بعد مواجهات دامية بين الجيش التونسي والقوات الفرنسية المرابطة بالقاعدة العسكرية في بنزرت.
فبعد استقلال تونس في 20 مارس 1956، تمسك الفرنسيون بالإبقاء على قاعدتهم العسكرية في بنزرت، وواصلوا تعزيز وجودهم المدني والعسكري، من خلال تطوير البنية التحتية وإحداث مرافق لفائدة الجالية الفرنسية، إلى جانب تكثيف الانتشار العسكري من منزل جميل إلى منزل بورقيبة والماتلين.
وتصاعد التوتر مع شروع فرنسا في توسيع مدرج مطار سيدي أحمد العسكري لاستقبال طائرات أكثر تطورًا، قبل أن تعيد قوات الحرس الوطني التونسي، يوم 30 جوان 1961، الأسلاك التي تحدد حدود القاعدة إلى مكانها الأصلي، في أول مواجهة مباشرة مع الأشغال الفرنسية.
وفي اليوم الموالي، وجه القائم بالأعمال الفرنسي إنذارًا إلى الحكومة التونسية طالب فيه بوقف الاعتراض على الأشغال خلال 48 ساعة، مهددًا باستعمال القوة، وهو ما اعتبرته تونس مساسًا بسيادتها.
ومع إعلان التعبئة العامة بداية من 4 جويلية 1961، عقب اجتماع المكتب السياسي للحزب الحر الدستوري، انطلقت الاستعدادات لما اعتُبر معركة استكمال الاستقلال، في وقت كانت فيه فرنسا تعتبر قاعدة بنزرت موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية ضمن منظومتها العسكرية في البحر الأبيض المتوسط، خاصة في ظل أجواء الحرب الباردة.
وتشير وثائق فرنسية نُشرت لاحقًا إلى أن القاعدة كانت مهيأة للاضطلاع بدور محوري في حال اندلاع حرب نووية، بفضل ما كانت تضمه من تجهيزات اتصال ورادارات ومراكز مراقبة، فضلاً عن استخدامها محطة لتزويد الأساطيل البحرية بالوقود والذخيرة.
وفي ليلة 18 جويلية 1961، صدرت الأوامر إلى الوحدات العسكرية الفرنسية المتمركزة في الجزائر وفي البحر بالتحرك نحو بنزرت، فيما أعلنت الإذاعة التونسية، في حدود الساعة الواحدة من يوم 19 جويلية، أن القوات المسلحة تلقت أوامر بإطلاق النار على كل طائرة تخترق المجال الجوي التونسي، لتندلع واحدة من أعنف المعارك في تاريخ تونس الحديث.
ودفعت فرنسا بتعزيزات عسكرية كبيرة شملت وحدات بحرية وعناصر من الفيلق الأجنبي، مدعومة بالطائرات الحربية وحاملات الطائرات والمدفعية الثقيلة، في مواجهة جيش تونسي حديث التكوين ومحدود الإمكانيات.
وسرعان ما تحولت مدينة بنزرت إلى ساحة حرب، بعدما تعرضت الأحياء السكنية لقصف عنيف استُعملت فيه مختلف أنواع الأسلحة، بما فيها قنابل النابالم، ما أسفر عن سقوط أعداد كبيرة من الشهداء والجرحى من العسكريين والمدنيين، وسط تفوق فرنسي واضح في العتاد والإسناد الجوي والبحري.
وأثارت المعركة آنذاك جدلًا واسعًا بشأن قرار خوضها في ظل اختلال موازين القوى، إذ اعتبر معارضو الرئيس الحبيب بورقيبة أنه خاطر بجيش حديث التكوين، بينما رأى كثير من التونسيين أنها كانت معركة حتمية لإنهاء آخر مظاهر الوجود الاستعماري واستكمال السيادة الوطنية.
كما وثّق عدد من الصحفيين الأجانب حجم الدمار والخسائر البشرية التي خلفتها المعارك، وهو ما ساهم في لفت أنظار الرأي العام الدولي إلى القضية التونسية.
ورغم كلفتها البشرية الباهظة، شكلت معركة بنزرت محطة مفصلية في تاريخ البلاد، ومهدت سياسيًا ودبلوماسيًا لجلاء آخر جندي فرنسي عن بنزرت يوم 15 أكتوبر 1963، لتستكمل تونس سيادتها على كامل ترابها الوطني، وتبقى هذه الذكرى شاهدة على تضحيات التونسيين في سبيل الحرية والاستقلال.
