الشعب نيوز/ وثائقي – اصدر المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للشغل بيانا بمناسبة احياء ذكرى اعلان الجمهورية بيانا فيما يلي نصه الكامل:
نحي الذكرى التاسعة والستّين لإعلان عيد الجمهورية وهي ليست مجرّد مناسبة لاستذكار حدث تاريخي وطني، وإنّما تجديد الوفاء للمبادئ التي قامت عليها: حرية نظام وعدالة، وهي لحظة للتأمّل في واقع جمهوريتنا.
إنّ قيم الجمهورية ليست شعارات، بل ممارسة تقوم على احترام الحقوق والحريات وعلى التوازن بين السلط وعلى الاعتراف بدور المنظّمات الوطنية المستقلّة باعتبارها شریکا أساسيا في بناء الوطن.
تأتي هذه الذكرى وقد مرّت خمس سنوات عن الخيارات السياسية المعلنة والتي رفعت خلالها وعود كثيرة ببناء تونس الجديدة، وبمحاربة الفساد وتحقيق التنمية وتشغيل الشباب والمعطّلين عن العمل وتحسين أوضاع المواطنين.
غير أنّ الحصيلة التي يلمسها المواطن اليوم عكس ذلك تماما، وتتجسّد هذه الحصيلة في واقع اقتصادي واجتماعي متردّي وشديد الصعوبة، كما تتجسّد هذه الحصيلة في أزمات متلاحقة تمسّ تفاصيل الحياة اليومية.
إنّ تراجع القدرة الشرائية وارتفاع كلفة المعيشة وتدهور الخدمات العمومية، وما تعرفه قطاعات الصحّة والتعليم والنقل والكهرباء والمياه والأدوية والصناديق الاجتماعية وغيرها من صعوبات وأزمات متتالية ليست مجرّد حوادث ظرفية، وإنّما هي تمظهر لأزمة عميقة وتتعمّق يوما بعد يوم تستوجب بالضرورة مراجعة الخيارات والسياسات العامّة وتحمّل المسؤوليات بكلّ وضوح.
إنّ المكتب التنفيذي الوطني للاتحاد العام التونسي للشغل يؤكّد أنّ السنوات الأخيرة أثبتت أنّ إدارة الشأن العام بمنطق التفرّد بالرأي وإقصاء القوى المدنية من منظّمات ومكوّنات المجتمع المدني وتعطيل كلّ أشكال الحوار لن تؤدّي إلاّ إلى زيادة حالة الاحتقان المتصاعدة وفقدان الثقة وإلى تعميق شعور المواطنين بانسداد الأفق.
وفي هذا الصدد يعبّر المكتب التنفيذي عن انشغاله بما آلت إليه أوضاع العمّال بالفكر والساعد بل أوضاع عموم شعبنا الذين يدفعون اليوم ثمن الأزمة الخانقة التي تمرّ بها بلادنا. ويؤكّد أنّ التمادي في تحميل الموظّفين والأعوان العموميين مسؤولية الأعطاب وتراكم الأزمات التي تعرفها جلّ المرافق العمومية لا يخدم الحقيقة ولا يساعد على معالجة المشكلات المطروحة والمنتظرة.
فالأعوان والموظّفون وعموم أبناء الشعب ليسوا من يضعون السياسات العامّة ولا هم من يقرّرون أولويات الاستثمار العمومي أو الخاصّ وليس هم من يضعون الموازنات العامّة للدولة ولا هم من يصادقون عليها. بل هم من يدفعون ثمن هذه الأزمة الناتجة عن خيارات لا علاقة لهم بها.
إنّ الأزمات التي تشهدها بعض المرافق ومنها ما عرفه قطاع الكهرباء والغاز وقطاع المياه في كلّ جهات البلاد ينبغي أن يكون مناسبة لمراجعة السياسات العمومية والخيارات الاقتصادية وتعزيز الاستثمار وعدم التفويت في المؤسّسات العمومية كليّا أو جزئيّا بل العمل الجاد على إصلاحها حتّى تظلّ قادرة على أداء دورها في خدمة المواطنين والاقتصاد الوطني.
وإنّنا في الاتحاد العام التونسي للشغل لا نكتفي بنقد السياسات ورفضها أحيانا حين نعتبرها غير قادرة على إخراج البلاد من أزمتها، بل نحمل عبر الهياكل والخبراء رؤية وطنية قوامها الحوار، والإنتاج، والعدالة الاجتماعية، والإصلاح الحقيقي. رؤية تقوم على حماية الدولة الاجتماعية، وإنقاذ المؤسّسات العمومية، وإصلاح الصناديق الاجتماعية وإرساء عدالة جبائية، ومقاومة الفساد والاحتكار، وتشجيع الاستثمار المنتج، وتحقيق تنمية عادلة بين الجهات.
إنّنا داخل الاتحاد العام التونسي للشغل نؤمن أنّ السيادة الوطنية لا تُقاس بعلوّ الخطاب، وإنّما بقدرة الدولة على ضمان الكرامة لمواطنيها، وباقتصاد قويّ، وبقرار وطني مستقلّ، وبخطاب مسؤول يجمع ولا يفرّق، ويبني ولا يهدم ويبعث الأمل ولا يحبط.
وإذ يجدّد الاتحاد استعداده لمواصلة تحمّل مسؤوليّته الوطنية الكاملة، والعمل مع مختلف القوى الوطنية ومنظّمات المجتمع المدني وكافّة مؤسّسات الدولة وكلّ الكفاءات الصادقة، من أجل بلورة حلول واقعية وإنقاذ البلاد من حالة الانسداد التي تعيشها.
لقد كان الاتحاد العام التونسي للشغل، على امتداد تاريخه، حاضرًا في معركة التحرير الوطني، وشريكًا في بناء الدولة، ومدافعًا عن الديمقراطية والحقوق الاجتماعية. وسيبقى وفيًّا لهذا الدور، قوّة اقتراح ومبادرة، ومنظّمة وطنية مستقلّة، لا تنحاز إلاّ إلى تونس، ولا تضع فوق مصلحتها أيّ اعتبار.
إنّ لبلادنا كلّ المقوّمات التي تؤهّلها لتجاوز أزمتها، وأن يستعيد المواطن ثقته في دولته، وأن يشعر بأنّ مستقبله ومستقبل أبنائه أفضل من حاضره، شرط جعل المصلحة الوطنية فوق كلّ الحسابات الضيقة.
إنّ الاتحاد العام التونسي للشغل يجدّد التأكيد أنّ دفاعه عن الحريات العامّة والفردية ومن خلالها الحرية النقابية وعن الحوار الاجتماعي ليس دفاعا عن مطالب فئوية أو مصالح ضيّقة، بل هو دفاع عن قيم الجمهورية نفسها، لأنّ الجمهورية التي تضيّق على الحريات ولا تضمن العدالة ولا تعترف بالحوار ولا بالمجتمع المدني، تفقد أحد أهمّ مقوّمات قوّتها واستقرارها.
ختاما، نجدّد عهدنا بأن يبقى الاتحاد العام التونسي للشغل صوت العمّال، وصوت الحرية، وصوت العدالة الاجتماعية، وصوت كلّ التونسيين الذين يتطلّعون إلى وطن قويّ، ودولة عادلة، وجمهورية تليق بتضحيات أبنائها.
عاشت تونس حرة أبية
عاش الاتحاد العام التونسي للشغل مستقلًا، ديمقراطيا، ومناضلًا
أنهي بقولة: ” حين تتكلّم الأزمات… يصبح الصمت تفريطا في الوطن “
الأمين العام
صلاح الدين السالمي
