بعد عام كامل من انطلاق الاحتجاجات الشعبية في قابس، الرافضة للتلوث والمطالبة بتفكيك الوحدات الملوثة بالمجمع الكيميائي، زار رئيس الدولة الجهة أخيرا، في خطوة كان الجميع ينتظر ان تكون محملة بإجراءات عملية وعاجلة وناجعة لوقف نزيف الانبعاثات السامة، وإنقاذ الأهالي من الموت البطيء، والاستجابة لما يريده الشعب.
لكن الزيارة كانت، للأسف، مخيبة للآمال، ولم تكن في مستوى الانتظارات.
من الواضح أن الرئيس كان حريصا على اتباع الشكل نفسه الذي عوّدنا عليه في زياراته الميدانية، أي تلك الزيارات غير المعلنة و”المفاجئة”، حتى يقف على حقيقة الأوضاع ويرى بالعين المجردة تفاصيل المشكلات، وهو الأمر الذي “انضبط” له في زيارته أول أمس إلى قابس، ليجد أمامه شباب الجهة، الذي كان بدوره، منضبطا لبوصلة واضحة في رفع مطلبه المشروع.
ليس أمام الشعب
ما يخسره
ما يخسرهوطبيعي جدا أن يكون شباب الجهة منسجما مع قناعاته، وأن يرفع أمام الرئيس شعار “الشعب يريد تفكيك الوحدات”، بلا خوف أو تردد أو انتهازية، فهذا الشعب عانى الأمرّين في صحته، وخسر أحباءه وخلانه بسبب التلوث والمرض، وحُرم من متعة ثروات بحره وجمال واحاتِه وروعة طبيعته.
فلماذا سيتراخى هذا الشعب أمام الرئيس؟ إذ ليس أمامه هذه المرة ما يخسره.
لقد رمى ذلك الشباب وراء ظهره الرعب والسجن والمجلة الجزائية والمرسوم 54، غير آبه بعشرات الفرق الأمنية والاستخباراتية الحاضرة، ورفع شعاره بكل شجاعة وثقة في النفس، وفاء لمن رحلوا وغادرونا، ودفاعا عن حق الأجيال القادمة في نسمة هواء نظيفة.
لكن، وبعد أكثر من عام، بين تشكيل اللجان وإعداد الدراسات وعقد الاجتماعات، وعشرات التدوينات على صفحة الرئاسة في “فايسبوك” حول التلوث في قابس، وبعد عشرات التجمعات الاحتجاجية والمظاهرات الحاشدة والاجتماعات العامة، ومئات الحوارات والتحقيقات والريبورتاجات الصحفية، وبعد سنوات من الوفيات وسقوط المرضى وإغماءات التلاميذ والطلبة والنساء والعجائز… بعد كل ذلك، جاء رد الرئيس في زيارته واضحا وصريحا، وكأنه جواب عن كل صرخات أولئك المظلومين: الشعب لا يريد تفكيك الوحدات، بل الشعب يريد تفكيك شبكات الفساد، معلنا شفويا، عن بعض الإجراءات الترقيعية لمعالجة تلوث المجمع، وهي إجراءات تبدو بعيدة عن المعايير العلمية والدولية المطلوبة لمعالجة هذه الكارثة البيئية والصحية.
وضوح الموقف الرسمي لأعلى هرم السلطة
وهكذا ظهر بوضوح الموقف الرسمي لأعلى هرم السلطة من ملف الوحدات الملوثة في قابس، وتبيّن أن هذا الموقف لم يكن موفقا، ولا عاكسا لما يريده شعب قابس، بل جاء الرئيس بشيء آخر يُفترض، وفق منطقه، أن يريده أهل قابس، وهو “القضاء على التلوث السياسي”، كما أسماه سيادة الرئيس.
مرة أخرى، يخطئ رئيس الدولة الهدف، ليؤكد مجددا أن لا برنامج واضحا لديه، وأن عمله لا يتجاوز إعادة إنتاج السياسات والإجراءات البافلوفية نفسها التي اتبعها أسلافه، والتي أثبتت فشلها في مختلف الميادين والمجالات، بما في ذلك قضية التلوث في قابس، التي ثار عليها الشعب ورفع بشأنها مطالبه بوضوح.
أعتقد أن الكرة الان في ملعب شباب الجهة، الذين راكموا من التجربة والنضال ما يسمح لهم، وبكل استقلالية، بمواصلة مشوارهم الصعب، المليء بالأشواك، ضد بيع الاوهام ولانتزاع حقهم في هواء نظيف، وفي مستقبل آمن لبناتهم وأبنائهم.
