في الثالث عشر من أوت 1956، وبعد أشهر قليلة من إعلان استقلال تونس، لم تكن الدولة الناشئة تضع فقط اللبنات الأولى لمؤسساتها السياسية والقضائية، بل كانت تخوض أيضاً معركة إعادة بناء المجتمع على قواعد قانونية جديدة. وفي قلب هذا المسار صدر الأمر العلي المتعلق بإصدار مجلة الأحوال الشخصية، التي نُشرت بالرائد الرسمي يوم 17 أوت ودخلت حيز التنفيذ في الأول من جانفي 1957.
جاءت المجلة لتعيد تنظيم الأسرة، وتحدد مكانة المرأة، وتوحد القواعد القانونية المتعلقة بالأحوال الشخصية، في إطار مشروع أوسع لبناء دولة حديثة تحتكم إلى القانون. وعلى امتداد سبعة عقود، أصبحت أحد أبرز النصوص المؤسسة للدولة التونسية الحديثة، حتى يمكن وصفها، بالنظر إلى مكانتها وتأثيرها، بأنها «دستور الأسرة التونسية».
غير أن 13 أوت لا يختزل في ذكرى قانون صدر قبل سبعين عاماً، فقد تحول التاريخ إلى مناسبة وطنية للاحتفاء بالمرأة التونسية، وأصبح يحمل في الذاكرة الجماعية معنى يتجاوز لحظة التشريع إلى مسار طويل من الإصلاحات والتحولات الاجتماعية. واليوم، في الذكرى السبعين، لا تكفي استعادة ما أنجزته المجلة سنة 1956، فالمجتمع الذي جاءت لتنظيمه تغير، كما تطورت مفاهيم الحقوق والمساواة وحماية الطفل. من هنا تطرح الذكرى سؤالها الأساسي: هل ما تزال المجلة قادرة على أداء دور «دستور الأسرة التونسية»، أم تحتاج إلى مراجعة شاملة تعيد بناء منظومتها؟
من تعدد المحاكم والمرجعيات إلى قانون واحد للأسرة التونسية
قبل صدور المجلة، لم تكن الأحوال الشخصية في تونس تخضع لقواعد موحدة ولا لقضاء واحد، بل كانت تتوزع الاختصاصات بحسب الطائفة والمرجعية الدينية: المحاكم العدلية تعنى بغير المسلمين وغير اليهود، والمحاكم الشرعية الموزعة بين المرجعيتين الحنفية والمالكية تعنى بالرعايا وأفراد البلاط، ومجالس الأحبار المختصة بأحوال اليهود الشخصية. وكان توحيد القضاء والنصوص جزءاً أساسياً من مشروع بناء الدولة الوطنية، إذ لا تكتمل الوحدة السياسية من دون وحدة القانون، ولا تستقيم المساواة إذا اختلف تنظيم الأسرة بحسب المرجعية.
جاءت المجلة لتضع نصاً موحداً ينظم الزواج والطلاق والنسب والحضانة والنفقة، فتساهم في الانتقال من تعدد المرجعيات إلى منظومة واحدة تحت إشراف الدولة وقضائها. ولم يكن هذا التوحيد قطيعة كاملة مع التراث الفقهي، إذ استفادت صياغة المجلة من مصادر فقهية متعددة، كما أكدت مذكرة وزارة العدل المؤرخة في 3 أوت 1956 التي أشارت إلى الاعتماد على «مناهل الشريعة الفياضة ومختلف مصادرها دون تقيد بمذهب». ومن هنا تتجاوز المجلة كونها قانوناً للأسرة لتصبح إحدى لبنات بناء الدولة القانونية الحديثة.
بورقيبة والمستيري: هندسة المجلة وإدارة الجدل
ارتبط مشروع المجلة بالإرادة الإصلاحية للحبيب بورقيبة، الذي وفر لها الغطاء السياسي، لكن إعداد النص كان عملاً جماعياً تولته لجنة تحت إشراف وزير العدل آنذاك أحمد المستيري، الذي لم يتجاوز الحادية والثلاثين من عمره وأنجز المشروع في فترة قصيرة. وصدور المجلة قبل إعلان الجمهورية في 25 جويلية 1957 يكشف أن الإصلاح الاجتماعي كان جزءاً من مشروع تأسيس الجمهورية نفسه، لا نتيجة لاحقة له.
غير أن صياغة المجلة لم تكن بمعزل عن المرجعية الدينية الحاضرة بقوة في المجتمع والمؤسسة القضائية، وقد برز جدل ديني وقانوني حول أحكامها، خاصة منع تعدد الزوجات وتنظيم الطلاق. ولم يكن هذا الجدل مجرد مواجهة بين الإصلاح والدين، إذ استند واضعو المجلة إلى اجتهادات فقهية متعددة، وقدموا الإصلاح باعتباره اجتهاداً تشريعياً يستند إلى مقاصد الشريعة ومتطلبات الدولة الحديثة.
تشريع قلب قواعد الأسرة
كان تأثير المجلة عميقاً لأنها لم تكتف بتنظيم العلاقات الأسرية، بل أعادت رسم قواعدها الأساسية. فقد منعت تعدد الزوجات، ونظمت الزواج على أساس الرضا، وأخضعت الطلاق لرقابة القضاء، فلم يعد قراراً منفرداً بل إجراءً قضائياً تترتب عنه حقوق والتزامات. كما نظمت مسائل النفقة والحضانة والنسب، بما عزز المكانة القانونية للمرأة ووسع وسائل حمايتها عند النزاع أو الانفصال.
اكتسبت هذه الأحكام أهميتها ليس لأنها أنهت كل أشكال التمييز، بل لأنها وضعت قاعدة تشريعية يمكن البناء عليها وتطويرها. فقد فتح النص المجال أمام إصلاحات لاحقة، وأصبح القانون قادراً على الاستجابة تدريجياً لتحولات المجتمع، وهنا تكمن أهم نقاط قوة المجلة: أنها لم تكن نصاً مغلقاً على لحظة تاريخية بل تشريعاً قابلاً للتنقيح كلما تطورت رؤية المجتمع للحقوق والمساواة.
من عقد الزواج إلى مؤسسة الأسرة: مسار متصل من الإصلاح
لم تبق المجلة على صورتها الأولى، فمنذ سنة 1958 توالت التنقيحات التي مست سن الزواج، ثم جاء تنظيم نظام الاشتراك في الأملاك بين الزوجين سنة 1981، وكان تنقيح 1993 محطة بارزة بإلغاء مفهوم «طاعة الزوجة لزوجها» وتعزيز حقوق الأم في الولاية على أبنائها القصر، قبل أن يوحد تعديل 2007 السن الأدنى للزواج بين الجنسين في الثامنة عشرة، وكل تعديل كان يعكس تحولاً في الوعي الاجتماعي أو حاجة إلى معالجة إشكال قانوني جديد. غير أن تطور حقوق المرأة والأسرة لم يعد يمر دائماً عبر تعديل مباشر لفصول المجلة، فهي نفسها أحدثت منذ صدورها تحولاً في مفهوم الزواج، الذي لم يعد مجرد عقد تقليدي بل مؤسسة قانونية تحدد الدولة شروط الدخول إليها وآثارها وطرق إنهائها، بما يحمي حرية الاختيار في الدخول إليها أو الخروج منها عبر القضاء.
من جانب آخر، سحبت تونس سنة 2014 تحفظاتها العامة على اتفاقية «سيداو»، وفي سنة 2017 صدر القانون الأساسي المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة وألغي المنشور الذي كان يقيد زواج التونسية المسلمة من غير المسلم في السنة نفسها، كذلك فتحت أعمال لجنة الحريات الفردية والمساواة سنة 2018 نقاشاً واسعاً حول قضايا عديدة من بينها الميراث، ورغم أنه لم ينته إلى تعديل عام فإنه كشف أن أسئلة الأسرة والمرأة لم تعد تلك المطروحة سنة 1956، وهكذا تطور «دستور الأسرة التونسية» ليس فقط عبر تعديل فصوله، بل من خلال منظومة قانونية أوسع أحاطت به ووسعت دائرة الحقوق والحماية.
من النص إلى الواقع: القضاء أمام امتحان الحقوق
أن التشريع مهما كان متقدماً يفقد جزءاً من أثره إذا بقي الحق الذي يقره حبيس النص، أو إذا حالت الإجراءات الطويلة وتعقيدات التنفيذ دون وصوله إلى صاحبه في الوقت المناسب.
وفي مادة الأحوال الشخصية، يواجه القضاء تحديات دقيقة تتعلق بالطلاق والنفقة والحضانة والسكنى وتنفيذ الأحكام، وهي مسائل لا تحتمل دائماً بطء الإجراءات، لأن آثارها المباشرة لا تقع على الزوجين فقط، وإنما تمتد إلى الأطفال واستقرار الأسرة. وهنا تبرز أهمية قاضي الأسرة، الذي لا يقتصر دوره على تطبيق النصوص، وإنما يتطلب منه تحقيق التوازن بين إجراءات الصلح وحماية الحقوق واتخاذ التدابير اللازمة في الوقت المناسب، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالنفقة والحضانة وحق السكنى.
كما يظل تنفيذ الأحكام أحد الاختبارات الحقيقية لفعالية المنظومة القانونية. فالحق الذي يقره الحكم القضائي ولا يجد طريقه إلى التنفيذ يظل حقاً منقوصاً، وهو ما يجعل تطوير آليات التنفيذ وتسريع الإجراءات جزءاً أساسياً من الإصلاح.
ويكتسب الأمر أهمية أكبر عندما يتعلق الأمر بالطفل، إذ يفترض أن تكون «المصلحة الفضلى للطفل» حاضرة في كل قرار يتعلق بالحضانة والنفقة والرعاية والعلاقات الأسرية. ومن ثم فإن تطوير «دستور الأسرة التونسية» لا يعني فقط مراجعة فصول المجلة، بل أيضاً تطوير القضاء والإجراءات والمؤسسات القادرة على إنفاذها، حتى تتحول الحماية التي يقرها القانون إلى واقع ملموس يصون الكرامة ويضمن العدالة والاستقرار الأسري.
أي مستقبل لـ«دستور الأسرة التونسية»؟
بعد سبعين عاماً، لم يعد السؤال فقط حول مقدار ما حققته مجلة الأحوال الشخصية، وإنما حول قدرتها على مواصلة الإصلاح ومواكبة التحولات التي عرفتها الأسرة التونسية والمجتمع. فبين مراجعة شاملة تعيد ترتيب نص راكم سبعة عقود من التنقيحات، ومواصلة الإصلاح التدريجي، يبقى الأهم هو مضمون الإصلاح وغاياته: حماية الحقوق، وتعزيز المساواة، وصون مصلحة الطفل، وضمان التطبيق الفعلي للقانون.
لقد استطاعت المجلة أن تتطور مع المجتمع، وأن تحول ما كان ثورياً سنة 1956 إلى جزء من الحياة القانونية اليومية. لكن روحها الإصلاحية لا يمكن أن تتحول إلى مجرد ذكرى تاريخية. فقيمة «دستور الأسرة التونسية» اليوم لا تقاس فقط بما أنجزه في الماضي، وإنما بقدرته على مواجهة أسئلة الحاضر والمستقبل.
وفي الذكرى السبعين، لعل السؤال الأهم ليس: هل نحتاج إلى مجلة جديدة؟ بل: كيف نحافظ على روح الإصلاح التي ولدت معها، ونمنحها القدرة على الاستمرار؟
-
نشر في الشعب الورقية بتاريخ 13 أوت 2026
