* صورة للمقر الذي وقع اختياره لايواء المجلس الاعلى للتربية وكان سابقا مقرا لمنظمة الدفاع عن المستهلك.
[..] تحويل المجلس الأعلى للتربية إلى فضاء تغلب عليه العقليات الإدارية والتقنية والقانونية على حساب المعرفة التربوية الحقيقية يعني ببساطة أننا نعيد ارتكاب الخطأ الذي دفعنا ثمنه طويلا وهو الاعتقاد بأن الإنسان يمكن إدارته كما تدار الوثيقة وأن المدرسة يمكن إصلاحها كما يصلح جهاز معطل وأن الإبداع يمكن إصدار تعليمات بخصوصه وأن التفكير النقدي يمكن وضعه داخل مقرر دراسي ثم مطالبة التلميذ بتكراره حرفيا في ورقة الامتحان.
هذه ليست تربية بل هندسة للامتثال وليست صناعة للعقل بل محاولة بطيئة لتدجينه والنتيجة لا تحتاج إلى كثير من العبقرية لتوقعها، أجيال تحفظ كثيرا وتفهم قليلا و تتلقى ولا تناقش و تخاف من الخطأ أكثر مما تخاف من الجهل وتخرج إلى عالم لا ينتظر المترددين وهي محملة بشهادات لا تعرف كيف تحولها إلى معرفة أو قدرة أو قوة.

المطلوب اليوم ليس عملية تجميل لهذه البنية ولا إضافة اسم أو اسمين لتهدئة الغاضبين لأن المشكلة ليست في العدد بل في الفلسفة التي أنتجت هذا التصور.
المطلوب هو مراجعة جذرية تعيد الاعتبار للمعرفة التربوية بوصفها جزءا من السيادة الوطنية وتجعل علماء النفس والاجتماع وخبراء التربية شركاء حقيقيين في صياغة القرار لا مجرد ضيوف يتم استدعاؤهم عندما تحتاج المؤسسة إلى زينة علمية.
بناء المستقبل لا يتم بالارتجال الإداري ولا بحشد الموظفين حول طاولة كبيرة بل بهندسة معرفية دقيقة تعرف أن أعظم ثروة في أي بلد ليست ما في باطن الأرض ولا ما في خزائن الدولة بل ما يتشكل كل صباح داخل عقل طفل يدخل إلى مدرسة وينتظر من بلاده أن تقدم له أكثر من درس محفوظ ومستقبل مؤجل.
إستمرار العمل بهذه الصيغة العرجاء لن ينتج سوى المزيد من الاغتراب الثقافي والتدهور المعرفي وفقدان الثقة في المدرسة العمومية وحين تنهار المدرسة لا تسقط بناية ولا تتعطل إدارة بل يتصدع المجتمع نفسه من الداخل لأن الدولة التي تفشل في تربية أجيالها ستجد نفسها بعد سنوات مضطرة إلى مواجهة نتائج لم تعد تملك القدرة على إصلاحها. ولذلك فإن إنقاذ المدرسة ليس ملفا قطاعيا ولا ترفا فكريا ولا قضية تخص المعلمين والتلاميذ وحدهم بل هو مسألة أمن وطني وسيادة ومستقبل ومن يصر على إدارة عقل الأمة بمنطق الورق والأختام والوظائف والتراتيب عليه أن يتحمل مسؤولية اللحظة التي تكتشف فيها البلاد بعد فوات الأوان أنها لم تكن تبني مجلسا للتربية بل كانت تشرف بهدوء على تنظيم جنازة طويلة للعقل.
* مقتطف من مقال طويل نشره على صفحته الخاصة
