من الرحلة إلى الجرح : ماذا يحدث للإنسان عندما تنتهي رحلة الهجرة قسرًا ؟
في فجر الثلاثاء 18 أوت 2026، انتهت حياة موسى بن عبد الحميد بن يوسف بن التهامي العويساوي، الشاب التونسي البالغ من العمر 23 سنة، من بوحجلة بولاية القيروان، بعد ساعات قليلة من عودته قسرًا من ألمانيا.
وفق ما نقله أقاربه وأصدقاؤه، كان موسى يسعى إلى تسوية وضعيته الإدارية في ألمانيا، قبل أن يجد نفسه أمام العودة القسرية. عاد إلى عائلته في حالة نفسية وصفت بالمنهارة، ثم أقدم، بعد فترة وجيزة من وصوله، على الانتحار.
لا تسمح المعطيات المتاحة بإثبات علاقة سببية مباشرة بين الترحيل وانتحار موسى، ولا يجوز اختزال مأساة إنسان في تفسير واحد أو تحميل واقعة الترحيل وحدها مسؤولية ما حدث. فالانتحار ظاهرة معقدة تتداخل فيها عوامل نفسية واجتماعية وشخصية متعددة.
لكن التزامن الصادم بين العودة القسرية والانهيار النفسي يفرض سؤالًا لا يمكن تجاهله: ماذا يفعل الترحيل بالإنسان؟ وماذا يحدث له بعد أن تنتهي الإجراءات الإدارية ويصل إلى بلده؟
هنا تحديدًا ينبغي أن ينتقل النقاش من سؤال «كم شخصًا رحّلنا؟» إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف نعيد الإنسان؟
فالترحيل ليس مجرد حركة جغرافية في الاتجاه المعاكس للهجرة. إنه قد يعني، بالنسبة إلى المهاجر، انقطاعًا مفاجئًا لمسار حياة كان قد بدأ في بنائه: عمل، علاقات، شبكة اجتماعية، مشروع شخصي، وتصور للمستقبل. والأكثر قسوة أن هذا الانقطاع يحدث غالبًا في ظروف لا يملك فيها الفرد قرار العودة ولا توقيتها ولا شروطها.
إن فقدان السيطرة على المصير يمكن أن يكون في حد ذاته عنصرًا ضاغطًا. فالمهاجر الذي بنى سنوات من حياته حول مشروع الهجرة قد يجد نفسه، خلال ساعات، أمام واقع لم يختره، وبلد لم يعد بالضرورة هو المكان الذي غادره، وحياة لم تعد كما تركها.
لذلك فإن «العودة» لا تعني بالضرورة العودة إلى نقطة البداية.
قد يعود الجسد إلى تونس، لكن الإنسان لا يعود بالضرورة بالحالة النفسية والاجتماعية التي غادر بها.
العودة القسرية ووصمة الفشل الاجتماعي
تزداد صعوبة التجربة عندما تصطدم العودة القسرية بصورة اجتماعية تعتبر الهجرة إلى أوروبا مشروعًا للنجاح وتحسين الوضع الاجتماعي.
ماذا حدث؟
لماذا عدت؟
ألم تنجح؟
هذه الأسئلة قد تبدو عادية في ظاهرها، لكنها يمكن أن تتحول بالنسبة إلى شخص عاد قسرًا إلى مصدر إضافي للضغط، خصوصًا عندما تكون الهجرة قد ارتبطت في محيطه العائلي والاجتماعي بانتظارات اقتصادية ورمزية كبيرة.
فالعودة القسرية قد لا تعني فقط فقدان الوضع القانوني في بلد الإقامة، وإنما قد تعني أيضًا فقدان المكانة التي كان المهاجر يعتقد أنه اكتسبها، أو التي كان محيطه ينتظر منه أن يحافظ عليها.
ومن هنا يمكن فهم الترحيل بوصفه تجربة اجتماعية أيضًا، لا مجرد إجراء إداري.
المهاجر المرحّل قد يعود وهو يحمل شعورًا بالفشل أو الإقصاء أو فقدان القيمة، وقد يجد نفسه مضطرًا إلى إعادة بناء علاقاته داخل الأسرة والمجتمع، والبحث عن عمل، وإعادة ترتيب حياته الاقتصادية، في الوقت الذي يكون فيه أصلًا تحت ضغط نفسي كبير.
وهنا يصبح السؤال: هل تكفي إعادة الإنسان إلى بلده لكي نقول إن عملية العودة قد انتهت؟
الترحيل ليس قرارًا منفردًا : تونس داخل منظومة عابرة للحدود
لا تحدث عمليات الترحيل في فراغ. إنها جزء من منظومة دولية وأوروبية لإدارة الهجرة والحدود والعودة وإعادة القبول.
وقد تطور التعاون بين الاتحاد الأوروبي وتونس خلال السنوات الأخيرة ليشمل، إلى جانب مكافحة الهجرة غير النظامية وإدارة الحدود، العودة وإعادة القبول وإعادة الإدماج. وفي مذكرة التفاهم الموقعة في يوليو 2023، التزم الطرفان بمزيد من دعم عودة وإعادة قبول المواطنين التونسيين الموجودين في وضعية غير نظامية داخل الاتحاد الأوروبي، مع التأكيد على احترام القانون الدولي والكرامة والحقوق، والعمل على إعادة الإدماج الاجتماعي والاقتصادي في تونس.
كما سبق للاتحاد الأوروبي أن أعلن دعمه لبرامج إعادة إدماج التونسيين العائدين، ومنها آلية «تونِسنا»، مع التأكيد على تنسيق جهود إعادة القبول وإعادة الإدماج.
وهذه المعطيات مهمة لأنها تكشف أن تونس ليست مجرد وجهة نهائية لعملية تبدأ وتنتهي في أوروبا. الدولة التونسية موجودة داخل هذه المنظومة من خلال التعاون الإداري المرتبط بتحديد الهوية، واستكمال وثائق السفر، وقبول عودة المواطنين.
لكن يجب التمييز هنا بين أمرين: التعاون في إجراءات العودة لا يعني أن تونس هي صاحبة قرار الترحيل. قرار الترحيل يصدر عن سلطات الدولة الأوروبية المعنية وفق قوانينها وإجراءاتها. غير أن التعاون في تنفيذ العودة يطرح، في المقابل، مسؤولية تونسية واضحة بشأن ما يحدث للمواطن بعد استعادته.
وهنا تبدأ المسألة التي لا تحظى بما يكفي من النقاش.
من مسؤولية الإعادة إلى مسؤولية ما بعد الإعادة
إذا كانت الدولة تستعيد مواطنيها، فهل تنتهي مسؤوليتها لحظة عبورهم بوابة المطار؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يدخل اليوم إلى صلب النقاش حول سياسة الهجرة في تونس.
العودة ليست عملية نقل شخص من بلد إلى آخر. إنها مرحلة انتقال اجتماعي ونفسي واقتصادي قد تكون شديدة الهشاشة. ولذلك فإن التعامل مع المرحّل باعتباره «شخصًا عاد» يخفي وراء هذه العبارة أسئلة أكبر:
من يستقبله؟
من يقيّم وضعه؟
هل توجد آلية لتحديد الحالات الأكثر هشاشة؟
هل توجد إحالة إلى الخدمات النفسية والاجتماعية عند الحاجة؟
من يتابع وضعه بعد أيام أو أسابيع من الوصول؟
هل توجد برامج لإعادة الإدماج المهني؟
هل تستطيع الدولة مساعدته على استعادة موقعه الاقتصادي والاجتماعي؟
ومن يتحمل المسؤولية عندما يكون المرحّل شابًا بلا عمل، بلا مورد، وبلا مشروع واضح للعودة؟
هذه ليست أسئلة ترفية، بل أسئلة تتعلق بجودة سياسة الهجرة نفسها.
فإذا كانت إدارة الهجرة لا تقيس نجاحها إلا بعدد الأشخاص الذين جرى منعهم أو إعادتهم، فإنها تنظر إلى الإنسان من زاوية إدارية ضيقة. أما السياسة الأكثر نضجًا فهي التي تنظر أيضًا إلى نتائج العودة بعد الوصول.
أرقام متزايدة… لكن ماذا وراءها؟
تكتسب هذه الأسئلة أهمية أكبر في ظل ارتفاع عدد التونسيين الذين رحّلتهم ألمانيا خلال السنوات الأخيرة.
وفق بيانات الحكومة الألمانية المنشورة في وثائق البوندستاغ، بلغ عدد التونسيين المرحّلين من ألمانيا 273 شخصًا سنة 2023، و366 سنة 2024، ثم 567 سنة 2025. أي أن العدد تضاعف تقريبًا خلال عامين.
هذه الأرقام لا تعني، بطبيعة الحال، أن كل مرحّل يعاني اضطرابًا نفسيًا، ولا تسمح باستنتاج علاقة بين الترحيل والانتحار. لكنها تكشف عن اتساع حجم ظاهرة تستحق أن تكون موضوع سياسة عمومية واضحة.
فالرقم 567 لا يعني «567 عملية إدارية» فقط.
إنه يعني 567 شخصًا عادوا إلى تونس في ظروف مختلفة، ولكل واحد منهم قصة، وأسرة، وانتظارات، وخسائر، وقدرات مختلفة على إعادة بناء حياته.
وإذا كانت الدولة تملك أرقام الترحيل، فمن المشروع أن نسأل: هل تملك أيضًا أرقام ما بعد الترحيل؟
كم منهم عاد إلى العمل؟
كم منهم استفاد من برنامج لإعادة الإدماج؟
كم منهم احتاج إلى دعم اجتماعي أو نفسي؟
كم منهم ظل خارج سوق الشغل؟
وكم منهم اختفى ببساطة من أي متابعة مؤسساتية بمجرد انتهاء إجراءات الاستقبال؟
إعادة الإدماج ليست مشروعًا ظرفيًا بل سياسة دولة
قد يُقال إن تونس ليست بلا برامج لإعادة الإدماج. وهذا صحيح.
هناك تعاون دولي وبرامج دعم موجهة إلى العائدين، وقد أعلن الاتحاد الأوروبي عن دعمه لإعادة الإدماج الاجتماعي والاقتصادي للتونسيين العائدين، بما في ذلك عبر «تونِسنا».
لكن المشكلة ليست في غياب المبادرات بالضرورة، بل في غياب رؤية وطنية متكاملة تجعل ما بعد العودة جزءًا أصيلًا من سياسة الهجرة التونسية.
فالبرامج الممولة أو المدعومة خارجيًا يمكن أن تساعد، لكنها لا يمكن أن تحل محل مسؤولية الدولة في بناء منظومة دائمة.
هذه المنظومة يمكن أن تبدأ باستقبال منظم، وتقييم أولي للحاجات، وآلية لإحالة الحالات الهشة إلى الخدمات الصحية والاجتماعية والنفسية، ثم متابعة اجتماعية ومهنية، وربط العائدين ببرامج التكوين والتشغيل والتمويل، مع إيلاء عناية خاصة للشباب الذين يجدون أنفسهم أمام عودة مفاجئة بلا موارد ولا مشروع.
وهنا لا يتعلق الأمر بمنح المرحّل «امتيازًا» لأنه رحّل، وإنما بمنع العودة من التحول إلى إعادة إنتاج للهشاشة.
من «إدارة العودة» إلى «إدارة ما بعد العودة»
المشكلة الأعمق في سياسات الهجرة هي أننا كثيرًا ما نتعامل مع الرحلة باعتبارها سلسلة من الإجراءات: مغادرة، عبور، إقامة، قرار بالعودة، ترحيل، وصول.
لكن حياة الإنسان لا تتوقف عند هذه المراحل الإدارية.
فالترحيل قد ينتهي في المطار، بينما تبدأ آثاره الاجتماعية والنفسية بعده.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس فقط أن تكون العودة «منظمة» و«قانونية»، وإنما أن تكون إنسانية وقابلة للحياة اجتماعيًا.
وهذا يفرض إعادة تعريف دور الدولة: من دولة تتدخل في إجراءات العودة إلى دولة تتحمل أيضًا مسؤولية حماية المواطن من أن تتحول العودة إلى سقوط جديد.
مأساة موسى… السؤال الذي لا ينبغي أن نتهرب منه
لا نعرف ماذا دار في نفس موسى خلال الساعات التي سبقت وفاته، ولا نملك الحق في اختزال مأساته في الترحيل وحده. احترامه واحترام عائلته يقتضيان ألا نحول الانتحار إلى مادة لتفسير سياسي جاهز.
لكن المأساة تفرض علينا شيئًا آخر: أن نسأل عن السياسات التي تحيط بالإنسان في لحظة العودة.
كم تونسيًا نعيد؟
هذا سؤال إداري.
لكن كيف نعيدهم؟
وماذا نفعل بهم بعد عودتهم؟
وهل توجد منظومة تلتقط من يكون في حالة هشاشة قبل أن يتحول الألم إلى عزلة، والعزلة إلى انهيار؟
هذه أسئلة سياسية واجتماعية وأخلاقية.
وراء كل رقم في إحصاءات الترحيل إنسان، ووراء كل عملية إعادة قصة حياة، ووراء كل رحلة عكسية شخص قد يصل إلى وطنه بجسده، فيما تبقى آثار الرحلة داخله.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام تونس ليس فقط أن تستعيد مواطنيها، وإنما أن تضمن ألا يصبح الاسترداد الإداري نهاية مسؤوليتها.
فالإنسان لا ينبغي أن يتحول في سياسات الهجرة إلى ملف يُغلق عند الوصول.
وربما يكون السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم، بعد مأساة موسى، أبسط وأكثر قسوة:
عندما تعيد أوروبا المواطن التونسي إلى بلده، من يعيد إليه قدرته على البدء من جديد؟
رحم الله موسى، ولتكن مأساته مناسبة لا لإطلاق أحكام متسرعة، وإنما لفتح نقاش جدي حول سياسة وطنية تجعل من ما بعد العودة جزءًا من مسؤولية الدولة، لا فراغًا مؤسساتيًا بين المطار والمجتمع.
