31.4 C
تونس
21 أوت، 2026 00:34
جريدة الشعب نيوز
آراء حرة

بعد 28 سنة تدريس، اكتشفت الإدارة أنني لا أُدرّس الفلسفة، أنا أسدّ الشغور.

كتب مدرّس الفلسفة الاستاذ محمد البكوش:
بعد 28 سنة تدريس فلسفة، اكتشفت الإدارة أخيراً موهبتي الحقيقية: أنا لا أُدرّس الفلسفة، أنا أسدّ الشغور.
28 سنة وأنا أشرح لهم أن الإنسان عند “كانط “غاية في ذاته وليس وسيلة.
جاءت الإدارة الموقرة لتُصحح لي المعلومة: لا يا أستاذ، أنت وسيلة ممتازة لتدريس تسعة أقسام.
28 سنة من ” سقراط “و “ديكارت” و “نيتشه”، لتنتهي مسيرتي كعدّاء ماراطون بين القاعات. تسعة أقسام، تسع سبورات، تسع قوائم حضور، 270 تلميذ يسألونني نفس السؤال : “أستاذ، هذا للحفظ؟”
سلطة الإدارة لا تناقشك في الوجود والعدم، هي أرقى من ذلك. هي تسألك:
لماذا لم تعمر كراس النصوص؟ لماذا تأخرت دقيقتين؟ أين دفتر المناداة ؟ هل أحضرت شهادة طبية لذلك اليوم الذي مرضت فيه؟
أنا أحدثهم عن الحرية عند “سارتر”، والإدارة تحدثني عن حرية اختيار القاعة التي سأُجلد فيها. أحدثهم عن قلق “كيركغارد”، والإدارة تعلمني القلق الحقيقي: أن تنسى تسجيل غياب تلميذ في القسم رقم 9.
المفارقة الساخرة هي أنني بعد 28 سنة، حققت حلم الفلاسفة المستحيل: أن أكون في كل مكان ولا مكان في نفس الوقت. أنا في القسم الأول أشرح أفلاطون، ، وفي القسم التاسع ينتظرونني لأشرح لهم لماذا الحياة اليومية بلا معنى؟
قالوا لي: لقد فقدت لذة العمل.
لا يا سادة، أنا لم أفقدها، تم سحبها مني إدارياً، مع ختم وتوقيع.
لذة العمل كانت عندما كنت أدخل لقسمين شعبة الآداب وأخرج وأنا أحمل سؤالاً من تلميذ أرقني طول الليل. الآن أدخل لتسعة أقسام وأخرج وأنا أفتش عن علبة الدواء والطباشير وحقي لأتذكر اسمي.
شكراً للإدارة، لقد علمتني الدرس الفلسفي الأخير الذي لم أجده في الكتب: كيف يتحول أستاذ الفلسفة بعد 28 سنة من تدريس معنى الحياة، إلى موظف يحلم فقط بنهاية اليوم.
* الصورة المرافقة تقريبية

مقالات مشابهة

كلما ضاقت مساحات العمل النقابي تزايدت الحركات الاحتجاجية الفجئية

فريق النشر Echaab News

الترحيل القسري وما بعد العودة : مسؤولية الدولة أمام معاناة المرحّلين

فريق النشر Echaab News

تدريس العربية والفرنسية في الابتدائي : أيّ توازن زمني يخدم تعلّم التلميذ التونسي ؟

فريق النشر Echaab News