السؤال الذي ينبغي أن يقودنا إلى الإجابة الصحيحة عن حقيقة أزمة مياه الحنفية بالساحل ليس: «من المتآمر؟» بل: لماذا كانت الأزمة معلومة ومنتظرة، ومع ذلك لم تكن المشاريع التي أُقرت لمواجهتها جاهزة في موعدها؟
الأزمة ليست وليدة اليوم، وكانت مؤسسات الدولة وأجهزتها تعلم منذ سنوات بحجم الضغط على الموارد المائية وبالحاجة إلى تعزيز مصادر التزويد. لذلك أُقرّ مشروع سدّ خزان القلعة الكبرى، ثم أُقرّ مشروع محطة تحلية مياه البحر بسيدي عبد الحميد بسوسة، باعتبارهما جزءًا من منظومة تأمين مياه الشرب بالساحل.
فإذا كانت الأزمة منتظرة ومعلومة، فإن السؤال الحقيقي يصبح: لماذا، إلى حدود هذه السنة، لم يكن المشروعان قد دخلا الخدمة في الوقت الذي كانا مبرمجين له؟ ولماذا لم تُشرح للرأي العام أسباب التأخير بكل وضوح، بدل إحالة الأزمة كل مرة إلى متسبب وهمي تحت عنوان «المتآمرين»؟
1) سدّ خزان القلعة الكبرى
ليس مجرد سدّ تقليدي، بل جزء من منظومة لتجميع المياه وتعديلها وتأمين الموارد المائية للساحل.
• سعة الخزان: حوالي 33 مليون متر مكعب.
• انطلقت الأشغال فعليًا في 11 أوت 2017.
• الكلفة: حوالي 119 مليون دينار.

• التمويل: 40% من ميزانية الدولة و60% من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي.
2) محطة تحلية مياه البحر بسيدي عبد الحميد – سوسة
المشروع أُدرج ضمن البرنامج العاجل لتعزيز الموارد المائية للفترة 2017–2019.
• بداية الأشغال: ديسمبر 2017.
• وضع حجر الأساس والإعلان الرسمي عن انطلاق الأشغال: 14 مارس 2018.
• كان مقررًا أن تدخل المحطة حيز الاستغلال في جوان 2019.
• الكلفة الأصلية: حوالي 127 مليون دينار.
• الطاقة الإنتاجية: 50 ألف متر مكعب يوميًا، قابلة للتوسعة إلى 100 ألف متر مكعب.
واليوم، وبعد سنوات طويلة من بداية المشروع، أعلنت السلطات في 17 أوت 2026 أن المحطة أصبحت جاهزة بنسبة 100% وأنها في مرحلة التجارب، بطاقة إنتاجية أولية تبلغ 50 ألف متر مكعب يوميًا، مع إمكانية التوسعة إلى 100 ألف متر مكعب.
أي أن المشروع الذي كان يفترض أن يدخل الخدمة في جوان 2019 لم يبلغ الجاهزية إلا في 2026.
وهنا لا بد من طرح السؤال بكل وضوح:
إذا كانت أزمة المياه معلومة منذ سنوات، وإذا كانت الدولة قد أقرت مشاريع لمواجهتها، فلماذا تأخر إنجاز هذه المشاريع كل هذه المدة؟
المواطن لا يحتاج إلى «متآمر» جديد كلما انقطع عنه الماء، بل يحتاج إلى ماء في الحنفية، وتفسير واضح، ومسؤولية محددة، ومحاسبة على التأخير.
فالقول بوجود أزمة أمر، وإدارة الأزمة أمر آخر؛ أما تحويل كل فشل في الاستعداد أو التأخير في إنجاز المشاريع إلى شماعة «المتآمرين»، فلا يحل أزمة، ولا يملأ خزانًا، ولا يعيد الماء إلى الحنفيات.
المسؤولية تبدأ من الإجابة عن سؤال بسيط: لماذا لم تكن المشاريع التي أُقرت لمواجهة الأزمة جاهزة عندما وصلت الأزمة؟
