الشعب نيوز/ الهادي رشاد حشوش – لا يمكن فهم الجنون الاستهلاكي للمياه المعدنية فقط بمنطق “العادات”. إنه يبرز أيضًا ارتفاع مرونة الطلب على المياه المعدنية، فكلّما تراجعت ثقة المواطن في ماء الحنفية، لأسباب تتعلق بالجودة، زاد استعداده لدفع كلفة إضافية للحصول على المياه المعلّبة. كما ساهم تغير أنماط الحياة كارتياد المساحات التجارية و عروضها التسويقية المغرية والمطاعم والمقاهي والنزل، في ترسيخ هذه العادة.
لكن للقارورة ثمنًا آخر لا يظهر على فاتورة المستهلك وهو الوقع البيئي. فإنتاج مليارات القوارير سنويًا يعني إنتاج عشرات آلاف الأطنان من مادة (PET) التي تدخل دورة استهلاك لا تتجاوز فيها مدة استعمال القارورة بضع الثواني أحيانا، بينما تبقى مخلفاتها لسنوات طويلة. 
وتشير المعطيات إلى أن قارورة 1.5 لتر تزن في المتوسط نحو 30 غرامًا؛ وبالنظر إلى حجم إنتاج المياه المعلبة في تونس، يمكن أن نكون أمام أكثر من 2 مليار قارورة و60 ألف طن من البلاستيك سنويًا. صحيح أن ذلك خلق نشاطًا هامشيا متمثلا في جمع القوارير الفارغة، وأن قطاعًا هامشيا آخرا يشارك في تجميعها وبيعها وإعادة رسكلتها،
لكن ذلك لا يلغي المشكلة. فضعف قيمة القارورة الفارغة بالنسبة إلى المستهلك، وتفاوت أسعار الـ(PET) القابل للتدوير، وارتفاع كلفة الجمع والنقل والفرز، كلها تجعل دورة حياة القارورة أقل انتظامًا واستدامة مما قد تُوحي به عملية التدوير.
فالقارورة غير المعالجة قد لا تتجاوز قيمتها نحو 1.1 دينار للكيلوغرام. وفي بلد لا تتجاوز فيه نسبة رسكَلَة النفايات عمومًا 10%، تتحول القارورة التي تُشترى بثمن زهيد وتُستعمل لفترة قصيرة إلى أحد أكثر مظاهر التلوث وضوحًا في الفضاء العام: في الشواطئ، وعلى حواشي الطرقات، وفي الأحياء والمساحات الخضراء وعند نقاط تجميع الفضلات وفوق رؤوس لاعبي الفريق المنهزم إبان كل مباراة كرة قدم.
تشير مثلا وزارة البيئة إلى تدفق بلاستيكي على السواحل يقدر بنحو 9.5 كغ من البلاستيك لكل كيلومتر يوميًا، مع العلم أن قارورة بلاستيكية تستغرق 450 سنة للتحلل في مياه البحر مع ما يمثله ذلك من اختلال في الدورة البيئية.
إذن كلما تحول الماء المعلّب من خيار إلى ضرورة، تضاعفت كلفته الاقتصادية والبيئية. لذلك فإن ارتفاع استهلاكها ليس مجرّد نجاح تجاري لقطاع صناعي، بل هو أيضًا مؤشر على حجم القيمة التي يدفعها المجتمع مقابل الثقة في الماء الذي يشربه.
لكن وراء هذا النمو اللافت لقطاع المياه المعلّبة، بكل ما يحمله من وزن اقتصادي واستهلاكي وبيئي، كشفت أسابيع صيف 2026 عن هشاشة منظومة التزويد عندما تلتقي ذروة الطلب مع اضطرابات الإنتاج والتوزيع.[…] (يتبع)
-
راجع الجزء الاول: https://tinyurl.com/ys8h7zr5 والجزء الثاني: https://tinyurl.com/2s4rbs4b
-
يمكن قراءة المقال كاملا في عدد الشعب الورقية الصادر يوم 27 أوت 2026.
