27.8 C
تونس
2 سبتمبر، 2026 09:00
جريدة الشعب نيوز
آراء حرة

حين تصنع فاجعة بن قردان لذّة المعارضة في تونس

بقلم إلياس بلاغة – لا يحتاج البحر إلى مناسبة كي يبتلع، لكنّه هذه المرّة اختار بن قردان. مركب خشبيّ غادر منطقة الكتف قبيل منتصف ليلة الأربعاء، على متنه خمسة عشر شابًّا، أغلبهم أبناء المدينة الحدوديّة، يقطعون البحر خلسة نحو إيطاليا. بعد ست ساعات من الإبحار تسرّبت المياه إلى الهيكل، وتفرّق الركّاب في العرض. لم ينجُ سوى واحد، ظلّ يقاوم الغرق قرابة يومين قبل أن تلتقطه سفينة تجاريّة. أمّا البقيّة فجثث تُنتشل واحدة بعد أخرى، وعائلات تتحوّل بيوتها، كما قال أحد النوّاب، إلى وجعٍ ودعاء. في بن قردان اندلعت احتجاجات ليليّة، وأُحرقت إطارات، واشتبك شبّان غاضبون مع قوّات الأمن، وكأنّ المدينة تصرخ بلغةٍ لا تحسن غيرها منذ عقود.

لكنّ الفاجعة، بمجرّد أن تجاوزت حدود المدينة نحو تونس العاصمة، غيّرت جلدها. لم تعد نبأ موتٍ يستدعي الحداد، بل صارت حجّة تُستدعى إلى محكمةٍ سياسيّة مفتوحة أصلًا منذ سنوات، بين سلطةٍ ومعارضةٍ لا يجمعهما غير التبادل المستمرّ للاتّهام. في تلك المحكمة، لم يعد الغرقى ضحايا بالمعنى الإنسانيّ المجرّد، بل صاروا بيّنة تُقدَّم لإثبات قضيّةٍ كانت مكتوبة قبل أن يغرق المركب بزمنٍ طويل: قضيّة فشل النظام، أو قضيّة تآمر الخارج، بحسب موقع من يتكلّم.

وهنا وجب التمييز، فليس كلّ ما قيل من هذا الباب. حين يطالب الاتّحاد العامّ التونسيّ للشغل بتحقيقٍ جادّ في ملابسات الرحلة وشبكات التهريب، أو حين يدعو نائبٌ عن الدائرة إلى خطّة تنمية عاجلة لمنطقةٍ أنهكها تراجع التجارة الحدوديّة، فذلك مطلبٌ ابن الجرح مباشرة، ينبع من معرفةٍ بالمكان لا من حاجةٍ إلى خصمٍ يُصرَع. أمّا حين يتحوّل الخطاب، في العاصمة وعلى ألسنة من لا صلة مباشرة لهم بالمكان، إلى مادّةٍ جاهزة تُدرَج في سردٍ سياسيّ عامّ، فإنّ شيئًا آخر يحدث: يصبح الغرقى وقودًا لا موضوعًا، وتتحوّل بن قردان من اسم مدينةٍ إلى استعارةٍ يستعملها كلّ طرفٍ بالقدر الذي يخدم موقعه في الخصومة.

واللذّة، هنا، دقيقة الملامح ولا تُعلن عن نفسها أبدًا. لا أحد يفرح بموتٍ صريح، لكنّ كثيرين يرتاحون حين يجدون في الحادثة ما يصدّق أطروحةً كانوا يحملونها أصلًا: أنّ السلطة عاجزة، أو متآمرة، أو غافلة عن الأطراف. الفاجعة، من هذا المنظور، لا تُفحَص بقدر ما تُدرَج، ولا تُطرح أسئلتها الصعبة والمركّبة — لماذا تراجعت بن قردان اقتصاديًّا رغم موقعها الاستراتيجيّ؟ من ربح من انهيار التجارة الحدوديّة؟ من غضّ الطرف عن شبكات التهريب؟ — بقدر ما تُستَدعى كخاتمةٍ جاهزة لجدلٍ لم يكن يحتاج، أصلًا، إلى دليلٍ جديد ليقتنع بنفسه.

والعدل يقتضي ألّا يُحمَّل طرفٌ وحده وزر هذه الآليّة، فإنّ خطاب السلطة نفسه لا يخلو، في مناسباتٍ أخرى، من الاستعمال ذاته للمأساة حين تخدم روايته المضادّة. العلّة إذن ليست في المعارضة بصفتها معارضة، بل في ثقافةٍ سياسيّةٍ باتت تعامل الموت الجماعيّ بوصفه بيانًا ينتظر التوقيع، لا جرحًا ينتظر السؤال.

وثمّة طبقة أعمق من هذا الاستغلال، تتعلّق بالجغرافيا نفسها. فبن قردان لا تحضر في وعي العاصمة إلّا في لحظتين: حين ينتقل لاعب كرة قدم بين ناديين، أو حين يبتلع البحر شبابها. بين اللحظتين، تغيب المدينة عن كلّ نقاشٍ جدّيّ حول ما آل إليه اقتصادها الحدوديّ، وعن كلّ سياسةٍ تنمويّةٍ تستحقّها موقعًا واستراتيجيّةً. هذا الغياب الطويل هو الجريمة الأصليّة، والاستثمار السياسيّ في الفاجعة ليس سوى طبقتها الظاهرة، الأسهل إدانةً، والأقلّ كلفةً على من يدينها.

وقد يسأل القارئ، وهو محقّ، إن كان هذا المقال نفسه لا يقع في الفخّ الذي يصفه: صوتٌ آخر من تونس العاصمة يستثمر جثثًا لم تُدفن بعد ليصنع منها حجّةً على حجّة. السؤال مشروع، ولا جواب عنه يريح الكاتب كليًّا، سوى أن يكتب وهو يعرف أنّه، هو أيضًا، يمشي على الحافّة نفسها، وأن يترك للقارئ حقّ الحكم عليه بالمعيار ذاته الذي يحاكم به غيره.

فلتُترك بن قردان، إذن، لحزنها القريب ولغضبها الذي يعرف وحده كيف يعبّر عنه: ثوب حداد لا شعار حزب. ولتجرِ المحاسبة بين السلطة ومعارضتها في مكانٍ آخر ويومٍ آخر، بأدلّةٍ من صنعها لا من صنع البحر، فلا يُستعار نعشٌ لإثبات موقفٍ كان جاهزًا أصلًا قبل أن يُغلَق.

مقالات مشابهة

عندما تصبح “المؤامرة” طريقة لإدارة الأزمة

فريق النشر Echaab News

في شركة الفسفاط: وصفة لانهيار مؤسسة و لتحويل العامل الى كبش فداء 

فريق النشر

من ينجب تونس الغد؟ : تراجع الخصوبة والتحول الديموغرافي يعيدان تشكيل التضامن الاجتماعي

فريق النشر Echaab News