جريدة الشعب نيوز
آراء حرة

إلى أين تريد السلطة أن تدفع بملف أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل؟

ما يحدث اليوم في ملف أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل لم يعد يحتمل أن يُختزل في مجرد تأخير إداري أو خلل في الإجراءات ، لأن المسألة تجاوزت منذ زمن حدود الإدارة إلى جوهر المسؤولية السياسية للدولة تجاه فئة كاملة من أبنائها.
لقد سبق أن عاش أصحاب الشهادات المعطلون تجربة قانون عدد 38 ، ذلك القانون الذي انتظروه طويلًا ، قبل أن يُطوى بجرة قلم ، وكأن سنوات البطالة والانتظار والتهميش يمكن أن تُمحى بقرار.

وبعده جاء القانون عدد 18 لسنة 2025 ، ليعيد تثبيت حقّ أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل في الانتداب وفق أحكام واضحة وترتيبات محددة وقد نُشر القانون وأصبح نافذا ، بل ورُصدت الاعتمادات اللازمة لتنفيذه ضمن الفصل 57 من قانون المالية لسنة 2026.

ومع ذلك ، مرت تسعة أشهر كاملة ولا يزال التنفيذ مؤجلا ، ولا تزال الدفعة الأولى لم تنطلق ، ولا يزال أصحاب الحق يسمعون الوعود ذاتها ، ويتابعون انتقال المسؤولية من جهة إلى أخرى ، فيما يقترب العام من نهايته ويُفتح النقاش حول ميزانية 2027 .

وهنا لم يعد السؤال: لماذا تأخر التنفيذ ؟ بل أصبح السؤال الأعمق : كيف يمكن لدولة أن تسن قانونا وتنشره وتجعله نافذا وتخصص له الاعتمادات ، ثم تترك أصحاب الحق فيه ينتظرون تسعة أشهر أخرى ؟؟

الأخطر من التأخير نفسه أن السلطة ، بدل أن تفتح مسارا واضحا لتنفيذ القانون وتقدم للرأي العام روزنامة دقيقة للانتدابات وعدد الدفعات وآليات التنفيذ ، اختارت في مواجهة الاحتجاج السلمي المقاربة الأمنية.

وفي الأول من سبتمبر ، كان المشهد واضحا : اعتصام سلمي يطالب بتطبيق قانون نافذ ، ثم تدخل أمني وما رافقه من عنف وهرسلة وإهانة وفض للاعتصام بالقوة .

لكن السلطة ربما لم تنتبه إلى حقيقة بسيطة : قد يفض اعتصاما في مكان لكنه لا يستطيع أن يفض قضية تراكمت في وجدان آلاف العائلات .

فبعد الأول من سبتمبر ، لم تنته القضية بل بدأت تأخذ شكلا أوسع . من قفصة إلى باجة وصفاقس والمكناسي ومنزل بوزيان وسيدي بوزيد وغيرها من المدن والمحليات، تحرك أصحاب الحق ، وتكاثرت الاجتماعات والتحركات ، وانخرطت العائلات وكان مشهد الآباء والأمهات والأبناء في منزل بوزيان رسالة بليغة إلى من يريد أن يرى : هذه ليست قضية أفراد يبحثون عن امتياز بل قضية عائلات أنهكتها سنوات الانتظار وأجيال تريد فقط حقها في العمل والعيش بكرامة .

واليوم تتواصل التحركات وتتوسع في السند وقبلي والمنستير والمزونة والرقاب وغيرها… ويتقدم التنسيق بين المحليات والجهات ، لأن كل يوم جديد من التسويف لا يطفئ الغضب وإنما يوسّع دائرة الوعي بأن الحل لن يكون في انتظار وعد جديد .
والحقيقة أن أصحاب الشهادات المعطلين لم يغلقوا باب الحوار يوما . وهم لا يطالبون اليوم بالتفاوض حول وجود القانون أو شرعيته ، ولا يبحثون عن امتياز خارج القانون ، وإنما يريدون أن يكون الحوار حول كيفية تنفيذ ما هو قائم أصلا : متى تبدأ الدفعة الأولى ؟ كم عدد المنتدبين ؟ كيف ستوزع الدفعات ؟ وما هي الآجال الفعلية التي تلتزم بها الدولة ؟
هذه أسئلة مشروعة ، بل هي الحد الأدنى من الوضوح الذي يفترض أن تقدمه سلطة تقول إنها تحترم القانون وتدافع عن العدالة الاجتماعية .
كما أن هذه القضية ليست شأنا فئويا ضيقا . البطالة التي يعيشها صاحب الشهادة المعطل تمتد إلى أسرته ، إلى والديه ، إلى إخوته ، وإلى كل بيت استُنزف ماديا ونفسيا وهو ينتظر أن يتحول سنوات الدراسة والتحصيل إلى حياة كريمة . وهناك آباء وأمهات انتظروا هذا اليوم طويلا ثم رحل بعضهم قبل أن يروا أبناءهم في المكان الذي حلموا به لهم.
لذلك ، فإن اختزال أصحاب الحق في صورة «محرضين» أو «متآمرين» أو التعامل معهم بمنطق التخويف والتخوين لا ولن يحل المشكلة ، بل يزيد المسافة بين الدولة والمجتمع . ومن غير المقبول أن يتحول المواطن الذي يطالب بتطبيق قانون صادر عن الدولة نفسها إلى خصم لها لمجرد أنه يذكرها بالتزامها . والمسؤولية هنا ليست مسؤولية موظف أو وزير وحده . فالدستور يمنح رئيس الجمهورية موقعا مركزيا في رسم التوجهات العامة للدولة وضمان تنفيذ القوانين، فيما تتولى الحكومة تنفيذ سياسة الدولة وإدارة شؤونها. ولذلك فإن استمرار هذا الملف بهذا الشكل لا يمكن أن يبقى بلا مسؤولية سياسية واضحة ولا يمكن أن تستمر لعبة تبادل المسؤوليات بينما يبقى أصحاب الحق وحدهم في مواجهة الانتظار.
إن السلطة اليوم أمام لحظة لا تحتاج فيها إلى خطاب جديد ، ولا إلى وعد جديد ، ولا إلى مزيد من المماطلة . تحتاج إلى قرار واضح وشجاع يضع حدا لهذا المسار : تنفيذ القانون عدد 18 كما صدر والشروع في انتداب الدفعة الأولى وتقديم روزنامة معلنة وشفافة لبقية الدفعات ، بما يضع حدا لحالة الغموض التي صنعتها تسعة أشهر من الانتظار.
فالاحتقان لا يُعالج بالقوة، والقضايا الاجتماعية لا تُدفن بالهرسلة، والحقوق لا تسقط لأن أصحابها احتجوا من أجلها .
وأصحاب الشهادات المعطلون اليوم لا يطلبون المستحيل . إنهم يطلبون أن تكون الدولة وفية لقانونها وأن يكون العمل حقا لا منة وأن تتحول العدالة الاجتماعية من شعار إلى ممارسة ، وأن تُستعاد الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة بالفعل لا بالكلمات .
لقد بلغ السيل مداه ، وما يتوسع اليوم في الجهات ليس مجرد غضب عابر ، بل نتيجة طبيعية لتراكم سنوات من البطالة والتهميش، ثم تسعة أشهر من التسويف بعد صدور قانون نافذ.
ولهذا، فإن الرسالة واضحة: ما يزال باب الحل مفتوحًا، لكن مفتاحه ليس في مزيد من الوعود ، وإنما في التنفيذ .
يكفي تسويفا.. يكفي مماطلة.. يكفي حڨرة..
القانون موجود ، والحق موجود، وأصحابه موجودون، ولن يكون أمام السلطة أفضل من أن تستمع قبل أن يصبح ما يمكن حله بقرار اليوم أكثر تعقيدا غدا.
شغل، حرية، كرامة وطنية

مقالات مشابهة

بولبابة السالمي : المصداقية السياسية لا تُقاس بما نقوله خارج البلاد، بل بما نفعله داخلها

فريق النشر Echaab News

العودة المدرسية… بين جاهزية معلنة ونقائص على الأرض

فريق النشر Echaab News

مفترق الطرق… الحوار أو الانسداد

فريق النشر Echaab News