الشعب نيوز/ سلمى الجلاصي – السيدة رجاء الدهماني المناضلة النسوية والحقوقية ورئيسة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات التي سبق لها ان تحدثت الينا عن مشاركة النساء في مسيرة 17 أكتوبر 2026 تعود لتقرأ واقع حقوقهنّ في ظل منظومة الحكم السارية.
الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات في مسيرة 17 أكتوبر: هل هناك مطالب خصوصية؟
حقوق النساء لا تنفصل عن الحقوق والحريات العامة والعدالة الاجتماعية والمشاركة في تحرك جماعي لا تلغي خصوصية المطالب النسوية، بل تؤكد ضرورة إدراجها صلب أيّ مشروع ديمقراطي.
تتمثل مطالبنا الأساسية في:
- حماية المكتسبات النسوية وتطوير التشريعات بما يضمن المساواة التامة والفعلية، بما في ذلك المساواة في الميراث والجنسية وحرية الاختيار.
- مناهضة العنف والتمييز ضدّ النساء، وتطبيق القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017، وضمان حماية الناجيات ومحاسبة المعتدين.
- ضمان المشاركة السياسية المتكافئة للنساء، والتّصدّي لكلّ ما يحدّ من حضورهنّ في مواقع القرار.
- الدّفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للنساء، من خلال العمل اللائق والأجر العادل والحماية الاجتماعية ومقاومة البطالة والفقر والهشاشة، وضمان توزيع عادل لأعباء الرعاية والعمل المنزلي.
- حماية الحريات العامة واستقلالية المجتمع المدني وحرية التنظيم والتعبير والاحتجاج، ورفض كلّ تراجع عن الحقوق المكتسبة.
- ضمان العدالة البيئية، والاعتراف بالأثر المضاعف للأزمات البيئية على النساء، خاصة في المناطق الداخلية والريفية.
- المطالبة بالحرية لسَجينات وسجناء الرأي، ووضع حدّ للتتبّعات المرتبطة بالممارسة السّلمية للحقوق والحريات، وإنهاء الإبعاد القسري وضمان العودة الآمنة للمبعدات والمبعدين، بمن فيهم مناضلات الجمعية.
لا نريد أن تكون مطالب النساء ملحقًا بمطالب التحركات العامة أو أن يُطلب من الحركة النسوية تأجيل قضاياها. فالمساواة ليست مطلبًا قطاعيًا ولا قضية مؤجلة، بل شرط أساسي للديمقراطية والعدالة الاجتماعية. والدفاع عن حقوق النساء يعني ضمان حقهن في الحرية والكرامة والعمل والمشاركة في القرارات التي تحدّد حاضرهن ومستقبلهن.
* كيف تعيش الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات استتباعات 25 جويلية من زاوية حقوق النساء؟
منذ 25 جويلية 2021، تعاملت الجمعية التونسيّة للنساء الديمقراطيات بحذر ونقد مع التّحوّلات السياسية، انطلاقًا من قناعتها بأنّ المكتسبات الحقوقية ليست نهائية، وأنّ ضمان حقوق النساء يقتضي الديمقراطية والحريات العامة واستقلالية القضاء وحرية التنظيم والتعبير.
وقد أكّدت التطوّرات اللاحقة مخاوفنا من انعكاسات هذا المسار على الحقوق والحريات، خاصة مع التّضييق على المجتمع المدني وتعليق نشاط جمعيتنا في نوفمبر 2025، إلى جانب جمعيات حقوقية أخرى. ونعتبر أنّ هذه الإجراءات تمسّ باستقلالية المجتمع المدني وقدرته على مراقبة السياسات العمومية والدفاع عن الحقوق ومساءلة السلطة.
كما تثير مشاريع ومقترحات تشريعية ونقاشات متداولة بشأن التقاعد المبكر للنساء في القطاع الخاص، وقانون الجمعيات والجنسية والميراث، مخاوف جدية بشأن مستقبل المساواة والحقوق المكتسبة. ويضاف إلى ذلك التراجع عن بعض التوجهات القانونية المتعلقة بالحريات الفردية، وتراجع الضمانات التي كانت تدعّم التناصف في التمثيل السياسي منذ تغيير القانون الانتخابي سنة 2022.
ولا تنفصل هذه التّحوّلات عن الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة للنساء، في ظل البطالة والفقر والهشاشة والتفاوت في الأجور وتحميلهن العبء الأكبر من العمل المنزلي وعمل الرعاية غير مدفوع الأجر. وتتعاظم هذه الصعوبات لدى النساء في المناطق الداخليّة والريفيّة والعاملات في القطاعات الهشّة وغير المنظمة، كما تتفاقم مع الأزمات البيئية وشحّ المياه وتدهور الموارد الطبيعية.
أمام هذا الواقع، لم تختر الجمعية الاصطفاف السياسي أو الانسحاب من الشأن العام، بل تمسكت باستقلاليتها وواصلت النضال من أجل المساواة التامة والفعلية، وحماية الحريات، والتصدي لكلّ تراجع عن الحقوق. فالمعركة ليست فقط من أجل الحفاظ على المكتسبات، بل أيضًا من أجل استكمالها وضمان انعكاسها على الحياة اليومية للنساء.
* هل ترون أنّ النظام الحالي لا يعادي الحركات النسويّة علنًا، لكنّه يغازل المدّ الرجعي عبر حصار العمل النسوي الميداني والفكري؟
– إنّ تقييم السياسات لا يكون بالاستناد إلى الخطاب المعلن وحده، بل بالنظر إلى آثارها الفعلية. فقد لا يتخذ التضييق على الحركة النسوية شكل عداء صريح، بل يظهر من خلال إضعاف الجمعيات المستقلة، والحدّ من حرية التنظيم والتعبير، وتهميش المطالب النسوية أو التعامل معها باعتبارها قضايا ثانوية.
وفي هذا السياق، يثير تعليق نشاط الجمعية في نوفمبر 2025، إلى جانب التضييق على جمعيات حقوقية أخرى، مخاوف بشأن حرية العمل الجمعياتي واستقلالية الأجسام الوسيطة. فإضعاف المجتمع المدني يحدّ من قدرة النساء على الدفاع عن حقوقهن، ويقلّص فضاءات التوعية والتضامن والتبليغ عن الانتهاكات ومساءلة السياسات العمومية.
أما المدّ الرجعي، فيتجلى في الخطابات والممارسات التي تجعل المساواة موضوعًا قابلًا للمراجعة، أو تحصر النساء في أدوار تقليدية، أو تخضع حقوقهن لاعتبارات اجتماعية وإيديولوجية تبرّر التمييز. وقد أثارت النقاشات التي احتضنتها تونس بمشاركة إيرانيات حول مجلة الأحوال الشخصية تساؤلاتنا بشأن المرجعيات المعتمدة في تناول المكاسب النسوية. ونحن لا نرفض الحوار الثقافي وتبادل التجارب، بل نرفض توظيفهما للتشكيك في حقوق النساء وحرياتهن.
فالنسوية ليست ترفًا فكريًا أو نضالًا محصورًا في النخب، بل ممارسة ميدانية وفكرية ترتبط بواقع النساء في العمل والأحياء والأرياف والمؤسسات. لذلك، فإنّ مواجهة النزعات التمييزية تقتضي توسيع فضاءات العمل النسوي وتعزيز الحوار المجتمعي وضمان حق النساء في إنتاج المعرفة والمشاركة في صياغة القوانين والسياسات التي تمسّ حياتهن، بعيدًا عن الوصاية والإقصاء.
* أين يكمن اليوم هامش المناورة مع النظام في علاقة بمكاسب الحركة النسوية التونسية ومراكمتها؟
بالنسبة إلى الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، لا يعني هامش المناورة التنازل عن المبادئ أو مقايضة الحقوق والحريات بمساحة محدودة من النشاط. بل يتمثل في البحث عن السبل الممكنة لمواصلة النضال والتأثير، مع الحفاظ على استقلالية الجمعية ومواقفها النقدية. ويقتضي ذلك مواصلة رصد الانتهاكات والترافع من أجل الإصلاحات الضرورية وتقديم البدائل التشريعية والسياساتية وتوسيع التحالفات مع المنظمات الحقوقية والنقابية والمدنية على أساس أرضيات مشتركة تحترم خصوصية النضال النسوي. كما يمرّ عبر استعادة الصلة المباشرة بالنساء، خاصة العاملات في القطاعات الهشة، والنساء في المناطق الداخلية والريفية، والنساء اللواتي يواجهن البطالة والفقر والعنف والإقصاء، والمتضررات من الأزمات البيئية. فالنضال النسوي لا يقتصر على المؤسسات والنقاشات التشريعية، بل يرتبط بالحياة اليومية للنساء ومشاركتهن في تحديد مطالبهن وصياغة الحلول.
ونعتبر أنّ إنتاج المعرفة النسوية والتكوين والتوعية وحفظ الذاكرة النضالية ونقل التجارب بين الأجيال وتعزيز شبكات التضامن، عناصر أساسية لاستمرار المقاومة المدنية السلمية. كما أنّ الدفاع عن حرية التنظيم والعمل الجمعياتي جزء لا يتجزأ من الدفاع عن حقوق النساء.
إنّ هدفنا ليس البحث عن تسوية بأيّ ثمن، بل حماية المكتسبات من العزل والتراجع وتجذيرها في المجتمع وتحويلها إلى مطالب فعلية يصعب تجاهلها، مع مواصلة النضال من أجل استكمالها وتطويرها.
