في مثل هذا اليوم 24 أكتوبر 1963 توفي الصحبي فرحات في سجن غار الملح. معلم ومناضل وطني ونقابي ساهم في مقاومة الاستعمار وفي تأسيس #الاتحاد_العام_التونسي_للشغل، قبل أن تنتهي حياته خلف القضبان في دولة الاستقلال. وبين مسار التأسيس النقابي ومصيره في السجن تتجلى مفارقة من مفارقات التاريخ التونسي، حين يجد من ساهموا في بناء مشروع التحرر الوطني أنفسهم في مواجهة السلطة التي قامت بإسمه.
ولد الصحبي فرحات بقابس يوم 2 جويلية 1902، وتخرج معلما من مدرسة ترشيح المعلمين بالڨرجاني بالعاصمة. بدأ مسيرته المهنية في جامة بولاية سليانة، ثم تنقل بين عدد من المدارس قبل أن يتولى إدارة المدرسة الابتدائية بنهج باب الخضراء بالعاصمة. لكن مسيرته لم تقف عند حدود الوظيفة التعليمية، فقد كان من جيل ربط بين المدرسة والمجتمع، وبين المطالبة بتحسين أوضاع المعلمين والنضال من أجل حقوق التونسيين في ظل الاستعمار.
في سنة 1936، كان الصحبي فرحات من مؤسسي #نقابة المعلمين، في مرحلة كانت فيها المسألة النقابية تتجاوز المطالب المهنية المباشرة لتطرح سؤال #التنظيم المستقل وقدرة التونسيين على الدفاع عن مصالحهم بأصواتهم وأطرهم الخاصة.
وقد فتح له نشاطه النقابي المجال للانضمام إلى الجامعة العامة للموظفين التونسيين، ضمن مسار ساهم في تهيئة الأرضية لتوحيد جانب من #الحركة_النقابية_التونسية.
وفي 20 جانفي 1946، شارك في المؤتمر التأسيسي للاتحاد العام التونسي للشغل المنعقد بالمدرسة الخلدونية بالعاصمة، وانتخب عضوا في المكتب التنفيذي وكاتبا عاما مساعدا.
ولم يكن تأسيس الاتحاد مجرد محطة تنظيمية في تاريخ الشغيلة، بل مثل تحولا في علاقة العمال والموظفين بحقهم في التمثيل والدفاع عن مصالحهم، وفتح أفقا لتنظيم نقابي وطني قادر على التعبير عن المطالب الاجتماعية في سياق الاستعمار. وكان الصحبي فرحات من بين الذين ساهموا في إرساء هذا المسار الذي التقت فيه المطالب المهنية بالنضال من أجل التحرر الوطني.
تكشف هذه التجربة عن البعد الاجتماعي للحركة الوطنية التونسية، إذ لم يكن الاستقلال مطلبا سياسيا منفصلا عن ظروف العمل والأجور والحقوق #المهنية. فقد كانت أوضاع المعلمين والموظفين والعمال جزءا من واقع أوسع تحكمه تفاوتات الحقوق والفرص، وكان بناء التنظيم النقابي محاولة لانتزاع مساحة من الاستقلال في مجتمع خاضع للهيمنة الاستعمارية.
ومن هذا المنطلق تبرز أهمية مساهمة #الصحبي_فرحات في تأسيس النقابات، لا باعتبارها مجرد سيرة فردية، بل باعتبارها جزءا من تاريخ تشكل #الحركة_الاجتماعية والنقابية في تونس.
و امتد نشاطه إلى المجال التربوي والجمعياتي، فانتخب عضوا في جمعية الشبان المسلمين في ماي 1929، وشارك في مؤتمرها المنعقد من 24 إلى 26 أكتوبر 1946 متوليا رئاسة لجنة الكشافة والرياضة.
كما نشط في الجمعيات الكشفية والأوساط التربوية والإصلاحية. وفي أكتوبر 1957 انتخب أول رئيس تونسي لتعاونية الحوادث المدرسية والجامعية، مواصلا اهتمامه بأوضاع الأسرة التعليمية. وكتب في الصحافة الوطنية، من بينها جريدتا “الاستقلال” و”السهم” الكشفية، كما قدم محاضرات في التربية والإصلاح، وأصدر سنة 1929 كتيبا بعنوان “النشأة الإسلامية” عن المطبعة الرسمية.
انتمى الصحبي فرحات إلى الحزب الحر الدستوري التونسي القديم وكان من أنصار عبد العزيز الثعالبي، وانتخب سنة 1955 عضوا في اللجنة التنفيذية للحزب. وعرف بمعارضته للحبيب بورقيبة وتبنيه الفكر الاشتراكي ودفاعه عن الحقوق العمالية. وقد انعكس خلافه السياسي على مساره المهني، إذ نقل خلال السنة الدراسية 1958-1959 إلى إدارة المدرسة الابتدائية بالجواودة بولاية القيروان، في إجراء اعتبر عقابا له بسبب مواقفه المعارضة.
وفي ديسمبر 1962، إثر الكشف عن المحاولة الانقلابية ضد بورقيبة، أوقف الصحبي فرحات وأحيل على المحكمة العسكرية. وخلال محاكمته في مارس 1963 أنكر مشاركته في المحاولة، موضحا أن لقاءاته ببعض المتهمين كانت في إطار مباحثات حول تأسيس حزب جديد. وصدر في حقه حكم بالسجن مدة سنتين. وتكشف هذه المحطة عن حدة الصراعات السياسية في السنوات الأولى للاستقلال، وعن انتقال الخلاف من المجال السياسي إلى المحاكمة والسجن، في سياق لم تكن فيه المشاركة في النضال الوطني ضمانا للبقاء خارج دائرة الصراع مع السلطة.
وفي 24 أكتوبر 1963، انتهت حياة الصحبي فرحات في سجن غار الملح حيث أفادت مصادر نقابية تعرضه للتعذيب واخرى حول تدهور صحته… ومهما يكن من اختلاف الروايات بشأن ظروف وفاته، فإن نهايته تظل محطة مؤلمة في تاريخ رجل ساهم في تأسيس المنظمة النقابية الوطنية، ثم وجد نفسه سجينا في دولة الاستقلال.
استحضار ذكرى وفاة الصحبي فرحات اليوم يتجاوز استعادة سيرة أحد مؤسسي الاتحاد العام التونسي للشغل، ليعيد إلى الواجهة تاريخ الصلة بين المطالب الاجتماعية والحرية السياسية، وبين استقلال البلاد وحق أبنائها في الاختلاف والتنظم والدفاع عن مصالحهم. فقد كان العمل النقابي جزءا من معركة التونسيين من أجل التحرر، وظلت استقلالية المنظمة النقابية وحرية الموقف من القضايا التي تحدد علاقتها بالسلطة. ويظل النضال من أجل الحريات وحق الاختلاف واستقلالية العمل النقابي جزءا من معركة الوطن من أجل الكرامة والديمقراطية في الماضي كما في الحاضر.
