* في الصورة، الهادي الغضباني ومحمد الطرابلسي في احدى الشواهق.
كنت،انا كاتب هذه السطور، ورفيقي محمد الطرابلسي نمثل الاتحاد العام التونسي للشغل في زيارة لليابان بدعوة من "جيلاف"، المؤسسة اليابانية للعمل japan labour foundation.كان ذلك في اواسط التسعينات من القرن الماضي ولمدة اسبوعين ونيف..
حططنا الرحال بفندق وسط طوكيو. احتفى بنا مضيفونا وسلمونا برنامج الزيارة وبيانات عن الفندق وأساليب التعامل والسلوك العام وخريطة المدينة وأرقام هواتف مفيدة ومصاريف جيب من أوراق اليان النقدية.
كان لا بد أن نسرع لغرفنا لنتدارك التفاوت الزمني نوما. وان نشرع في العمل من غد .
الصرامة في احترام الوقت والمواعيد ديدن هذا البلد..يتحتم ان تكون جاهزا أمام الحافلة قبيل الوقت المحدد وعلى ذمتك مترجم لطيف يوشوش في اذنك فيعلمك الحديث بلطف وهدوء
استقبلنا مضيفونا في مقر جيلاف..كنا زوجين اثنين من كل بلد، من أربعة بلدان أفريقية:السنغال والمغرب وتونس ومصر.
كان أول اليوم للتعارف واعقابه للجولان والنزهة
اليابانيون يحبون الايجاز والمترجم يكتفي بنقل المفيد.ذاك ما اغاظ صديقنا المصري الشبيه بجمال عبد الناصر والذي اغرق في الحديث عن مصر منذ عهد الفراعنة إلى عهد مبارك المبارك ولاحظ ان الترجمة لا توفيه حقه !
كنت ورفيقي نستفيد من الترجمتين العربية والفرنسية وما زال عالقا بذهني تعليق أحدهم أثر مداخلتنا ان اليابانيين يعرفون تونس من خلال حنبعل وبورقيبة ويذكرون الاتحاد ذكرا حسنا….
انجذبت ورفيقي إلى الوفد المصري ،شبيه عبد الناصر مدير بنك ورئيس نقابة المصارف. غاب عني اسمه. والدكتور نصار مديرالثقافةالعمالية.هما جاران لنا بالفندق ولرفيقي محمد سهولة فائقة في التواصل مما جعل شبيه عبد الناصر يعلق بتلابيبه.
بعد إفطار ياباني خفيف في احد المطاعم كدت احرم منه لولا اسعافي بملعقة وشوكة وكان رفيقي يجيد استعمال الاعواد يلاعبها بين الأصابع ويغرف بها ما لذ وطاب.
كانت الحافلة تخترق بنا طوكيو عبر جسور ملتوية ..ومن فوقها ومن تحتها جسور.. في اتجاهات مختلفة..انه فن العمارة والتعمير والحوكمة السعيدة…! ومررنا بقصر الامبراطور الميكادو "هيرو هيتو" فلم نر قصرا منيفا مهيبا ولا حرسا امبراطوريا مدججا .انها المحافظة على العادات التي ترسخ وحدة الشعب وتنبذ زيف القداسة والتحنط..
مرت الايام..واستبد الحنين إلى المنازل والاوطان بصديقنا المصري شبيه عبد الناصر ..واشتاق ان ينقع من مرق ليس بمرقه…وباح لنا بذلك وعول على محمد ان يتدبر له الوسيلة وكان محمد يواسيه ويمنيه فاذا كنا بمنأى عنه اغرقنا في ضحك بريء.. !
وذات ليلة تناهى إلى السمع صوته وهو ينادي"يا محمد (بجزم الميم الاولى). وينك يا محمد..اخرج لي يا ولأ.".فخرج له محمد وتماشيا برهة في بهو الفندق .
عاد محمد ليخبرني انه مضطر ليتدبرمسرحية يلهي بها الرجل ورجاني ان لا اكشف السر وان لا اطلع الدكتور نصار عليه. صبر صديقنا وصابر ومر وقت طويل وانا يغالبني الضحك فلا أكاد أخفيه. واذا بمحمد يطرق الباب ولا احد وراءه ولا شيء في يديه. ويخرج المصري بخفي حنين مستهجنا المسرحية.
طرنا صباحا إلى كاقوشيما..اتخذ المصري منا مقعدا قصيا..نزلنا بالفندق لاستراحة قصيرة وخرجنا لمشاهدة بركان فوجي.وصلنا الحد المسموح به .. بدا الجبل مهيبا والدنيا غائمة وعصائب من الدخان الأبيض تصاعد إلى عنان السماء.
اقتربت من الصديق المصري امازحه، سألته ان كان عندهم في مصر براكين..فقال" ان قلبي بركان على محمد …هو ما سلمش علي ليه؟" قلت له" ممكن تكون زعلان منو."فتركني وذهب اليه يصافحه وكأن شيئا لم يحدث.
في برنامج الزيارة ان نطير من الغد إلى هيروشيماوالتقينا ولكن الصديق المصري أبطأ في المجيء .انشغلنا للأمر ! حتى اقبل علينا ممتقع السحنة مضطربا…لم ينبس بكلمة طيلة الرحلة..واستقصينا
فهمس لنا المترجم ان إدارة الفندق لاحظت عليه نية التحرش بمنظفة الغرفة فتم استجوابه…راينا ان لا نخاطبه في هذا الامر..احتراما لخصوصية الموقف..
وزرنا متحف السلام بهوريشيما وراينا آثار ما خلفته القنبلة الذرية في الحرب الكبرى الثانية. وطفنا حول معلم مقصوف بقي شاهدا على العصر.لكن اليابانيين لا يريدون البكاء على الاطلال.
سرعة القطار الذي أخذنا إلى كيوطو مذهلة،يسري كالثعبان فيخترق الأنهار والجبال ولا يخلف موعدا. كيوطو كانت عاصمة لليابان قبل طوكيو كالقيروان او المهدية عندنا..مليئة بالمعالم الأثرية والمعابد البوذية والتصاميم المعمارية الأصيلة.
وقفلنا من غد عائدين إلى طوكيو وصديقنا المصري يقص علينا ما حدث له في بيت الراحة في الفندق. قال "يا جماعة جلست فوق مقعد المرحاض لاقضي حاجتي وتولى جن او ملائكة توضئتي وتجفيفي.. هل تصدقون ؟!"

* صورة جماعية ويظهر فيها الى جانبي المصري شبيه عبد الناصر.

