13.6 C
تونس
18 مارس، 2026 03:25
جريدة الشعب نيوز
وطني

في علاقة الاتحاد بالسلطة تقاطعات موضوعية وتباينات واضحة…

الشعب نيوز/ أبو ابراهيم (مقالة صادرة بجريدة الشعب العدد 1788 ليوم الخميس 7 مارس 2024 

* أبو ابراهيم

شهدت الحركة العمالية التونسية خلال الأيام الماضية حركية نقابية تجسّدت من خلال الاجتماعات النقابية الجهوية والقطاعية والتي اختتمت بتجمّع 02 مارس بالقصبة.  ويهدف الاتحاد العام التونسي للشغل من خلال حركتيه التعبوية الى إعادة ترتيب العلاقة مع السلطة ونقلها من دائرة الاستهداف والمحاصرة إلى دائرة التشاركية والحوار، لا فقط فيما يتعلّق بالشّأن النقابي والاجتماعي بل وأيضا فيما يتعلّق بالشأن الوطني.

يبدو أنّ العلاقة بين السلطة والاتحاد تتّخذ منحى مناقضا لما يجب أن تكون عليه طبيعة التحالف أو التقاطع على الأقل. فطبيعة الأشياء أنّ للدولة إذا ما رامت بلوغ العدالة الاجتماعية وتحقيق مجموع الشعارات التي ترفعها، الدخول في حلف قوي وتقاطع موضوعي مع القوى الاجتماعية. إنّ هذا التحالف الذي أقصده لا ينبع من مساعي التقاسم الداخلي لمراكز النفوذ وتوزيع الأدوار كما يحاول البعض أن يسوّق بل ينبع ممّا يحتّمه السياق الدولي المعولم من رهانات، كما تحتّمه مخاطر تخليص الاقتصاد التونسي من سطوة الريع. ولفهم العلاقة الجدلية بين الوحدة الوطنية الجامعة للقوى الاجتماعية، والسياق العالمي المفتوح، لا بدّ من التوقّف قليلا عند أهمّ المتغيّرات الحاصلة في العالم. إذ لا يمكن لأحد أن يقدّم تصوّرا واضحا ودقيقا عمّا يحصل في العالم المعوْلم أو ماذا سيحدث بعد قليل، فقد فُتح الباب على مصراعيه أمام «عالم جامح» على حدّ تعبير «انطوني غيدنز». إنّنا في سياق عولمة هي «مزيج من التغيّرات التي تسير في اتّجاهات مضادّة». وهي تغيّرات قد تنتزع منّا إمكانات التحكّم في واقعنا والتأثير فيه. وقد أدّى انفصال رأس المال المالي عن رأس المال الصناعي وتحوّله إلى رأس مال مضارب، الى تعقيد إمكانات التأثير بعد أن أصبحت السياسات المحلية ضعيفة في مواجهة رأس المال الماليّ المضارب والعائم والمعوْلم.

ورغم ما اكتساه العالم المعوْلم بواقع عدم اليقين وضعف قدرات الضبط والتوجيه فإنّه لا يمكن تجاهل أنّ لمراكز النفوذ المالي العالمية القدرة على حسن توظيف المتغيّرات والاستفادة منها لذلك فإنّ 01 ٪ من السكّان يمتلكون 50 ٪ من ثروة العالم ولن يتوقّف مسار التحرير الاقتصادي عند هذا الحدّ من التركّز والإقصاء والتهميش وإحالة الملايين على البطالة بل سيتجاوزه إلى محاولة إلغاء كلّ الحدود من أجل البلوغ إلى مرحلة السوق العالمي المفتوح بشكل تامّ. إنّ ما يريده أصحاب القرار والنفوذ، من العالم، هو التحوّل إلى سوق مفتوحة بشكل كامل دون قيد أو شرط. ويصبح في إمكان الرأسمالي الامريكي الجالس هناك في بيته في لوس انجلس أن يقوم بإنشاء وحدة إنتاج في تونس وأن يبنيها ويوفّر لها الطاقة وأن يورّد ويصدّر كما يحلو له، وأن ينتدب لها العمّال بكلّ سهولة وأن يوظّفهم لمدّة أشهر إلى حين انتهاء مدّة الإنتاج ثم ينهي علاقته التعاقدية دون قيد أو شرط ويغلق المقرّ الذي بُني للانتقال إلى بلد آخر لتلبية حاجيات إنتاجية جديدة. أو يمكنه أن يعبّئ مياه النيل وأن يوجّهها إلى بلد افريقي يعيش الجفاف دون قيد. كلّ ذلك لأنّه يمتلك رأس المال المالي المضارب. فما يُراد للعالم هو التحوّل إلى اقتصاد مفتوح بحيث لا يمكن لأيّ جهة كانت أن تحدّ من رغبات رأس المال المالي وتطلّعاته إلى الربح مهما بدت هذه التطلّعات معادية للقيم الإنسانية. إنّ خطر التحوّل إلى الليبرالية المتوحّشة يستوجب من المجتمعات المحلية استراتيجيات تمكّنها من حسن الاستفادة من السياق المعولم والتأقلم مع مقتضياته دون خسارة. وفي اعتقادي إنّ هذا الأمر في تونس لن يكون متاحا إلاّ من خلال تحالف القوى الاجتماعية المدنية على أسس برنامج سياسي عام.

 

التحالف الموضوعي

إنّ الثّابت لدى جميع المتابعين أنّ الاتحاد العام التونسي للشغل من أشدّ الرافضين للبرامج الليبرالية المتوحّشة. ولا ينبع هذا الموقف من عمق اطلاعه على متغيّرات الاقتصادية والاجتماعية التي يتابعها قسم الدراسات باهتمام فحسب، بل وأيضا من خلال ما تأسّس عليه الاتحاد من قيم المساواة الاجتماعية التي تتناقض حدّ التضاد مع ما يحمله البرنامج الليبرالي من إقصاء وتهميش واستغلال. وبالتالي فإنّ الاتحاد العام التونسي للشغل يقدّم نفسه كقوّة اجتماعية رافضة لمشاريع الاقتصاد المفتوح المتمسّكة بالخيارات الوطنية وبانفتاح اندماجي على الاقتصاد العالمي. وقد كان دور الاتحاد محلّ انتقاد عالمي تضمّنته ملاحظات وتقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وهو ما يعني أهمّية الدور الذي يقوم به الاتحاد في نظر أصحاب تلك التقارير ومدى تأثيره في وقف مدّ الليبرالية المتوحّشة.

لقد لاحظنا من خلال خطاب رئيس الجمهورية قيس سعيد انحيازا لبرنامج اقتصادي اجتماعي رافض لإكراهات الليبرالية المتوحشة. ورفع الخطاب الرئاسي شعار الحفاظ على المؤسسات العمومية والمساواة الاجتماعية ورفض الاستكراش ومقاومة الاحتكار والفساد. كما تضمّن الخطاب الرئاسي مساعِيَ لخلق مجالات جديدة للمجتمعات المحلّية من أجل المساهمة في الإنتاج والاستفادة من الثروة. وقد مثّل وقف المفاوضات التونسية مع صندوق النقد الدولي حول مشروع القرض بقيمة 1.9 مليار دينار أهمّ أمارات رفض الدولة التونسية للسياسات الليبرالية. وبالتالي فإنّه من الممكن الاستنتاج أنّ الدولة التونسية مقادة بإرادة سياسية رافضة لليبرالية المتوحّشة. بيْد أنّه من المهمّ ملاحظة أنّ الحكومة لا تسير في اتجاه تفعيل ما ترفعه القيادة السياسية وهو ما أثار الكثير من الانتقادات وقد يكون من الضروري معالجة هذه الإشكالية من أجل ضمان الحدّ الضروري من الانسجام بين مؤسّسات الدولة.

 

تباينات وتقاطعات

يجد المتمعّن في الموقفين أيّ موقف الاتحاد العام التونسي للشغل وموقف رئاسة الجمهورية تقاطعات كثيرة تشكّل مفارقة عجيبة غريبة مع حالة التوتّر القائمة في العلاقة بين الطرفين وإذا كان من حقّ كلّ طرف الاحتفاظ لنفسه بقراءته الخاصّة لواقع البلاد ودور الطرف الآخر وشكل التعامل معه فيما يخصّ ترتيب البيت الداخلي التونسي فإنّ التحالف الموضوعي لمواجهة مخاطر العولمة والاقتصاد المفتوح يفرض نفسه أكثر من أيّ وقت مضى. فمن مصلحة الاتحاد أن تتمسّك الدولة بالدور الاجتماعي والحمائي وأن تبقيَ على عمومية المؤسّسات ومجانية الصحّة والتعليم بما يخدم مصلحة منظوريه. ومن مصلحة الدولة أن تجد قوّة اجتماعية ممثّلة للعمال تستند عليها في نقاشها الدائم مع مراكز النفوذ المالي العالمي وهو ما يسهّل رفض الخيارات الليبرالية. فالدولة في هذا الوقت على الأقلّ ترفض الخيار الليبرالي نظرا إلى كلفته الاجتماعية الباهظة وهي نفس منطلقات الاتحاد في رفض الليبرالية المتوحّشة مع اختلافات في الأفق الزمني. ومن المهمّ أن نلاحظ أنّ الدولة التونسية بوصفها مؤسّسة اجتماعية قد تشبّعت طيلة عقود على قيم العدالة الاجتماعية رغم بعض الفواصل الليبرالية التي فرضت نفسها من حين إلى آخر لتستعيد بعدها الدولة عمقها الاجتماعي.

إنّ المحور الاقتصادي الأبرز الذي يشكّل التقاءً موضوعيًّا هي مقاومة الريع الاقتصادي الذي أنهك الدولة والعمّال وأغرق البلاد في سياق من التركّز غير المجدي للثروة فرغم تحوّز البرجوازية على المليارات فإنّ قدراتها الإنتاجية ضعيفة جدّا وهو ما أضعف إمكانات النمو الاقتصادي ويمثّل إنهاء الريع وكسر حالة الفساد نقطة التقاء إضافية بين الاتحاد والسلطة. وبالتالي فإنّ علاقة الالتقاء الموضوعي القائمة على المصلحة المشتركة تفترض صياغات جديدة للعلاقة بين الطرفين. ويستوجب هذا التحالف إعلاء الحوار وتنقية المناخات والتشاركية في إدارة الشأن العام وهو ما يطلبه الاتحاد العام التونسي للشغل باستمرار.

إنّ مقولة التحالف الموضوعي يجب أن لا تُفهم على أنّها انسجام تامّ بل هو تحالف بين قوى وطنية مضادّة لمشاريع ليبرالية متوحّشة. فالاتحاد بوصفه جزء من المجتمع المدني الديناميكي يحتفظ لنفسه بمسافات عن السلطة التي تخضع إلى منطق الاكراهات والنجاعة والاستحقاق الذاتي. كما يحتفظ لنفسه بتقييمه الخاص لمختلف جوانب الحياة السياسية ولطرق إدارة الشأن العام. وأيّا كانت الاختلافات في التقييمات السياسية فإنّ الوقوف في وجه «اللّبْرَنة المطلقة» ومواجهة مخاطر إفقاد التونسيين مكتسباتهم وإخضاعهم لشروط رأس المال المالي المضارب يستوجب من الجميع التقدّم خطوة في اتّجاه مساحة من الالتقاء تمكّن من تحصين البيت التونسي من مخاطر عالم جامح.

 

 

 

 

 

مقالات مشابهة

حكم غيابي بالسجن في حق عماد الدايمي

admin

وزارة الثقافة .. الى أين !!

admin

الامين العام يلتقي بممثلين عن تحيا تونس وكتلة الإصلاح والكتلة الوطنية

admin