وثائقي

مذكرات العميد منصور الشفي(21) عن أزمة 1965: الحبيب عاشور من سجن صفاقس الى سجن تونس

الشعب نيوز/ مذكرات المحامي منصور الشفي - في صبيحة اليوم الموالي إتصل بي الابن الاصغر للحبيب عاشور ويدعى حبيّب (له ابنان آخران هما ثامر والمنصف) ليقول لي ان والده قد نقل الى السجن المدني بتونس العاصمة ولم يطلق سراحه الا يوم غرة جوان 1966.  وقد تحدّث الحبيب عاشور في مذكراته عن تفاصيل السجن وظروفه.

وفي هاته الفترة أرسل أحمد التليلي من منفاه رسالة الى الباهي الادغم كاتب الدولة للرئاسة  -أي الوزير الأول - جاء بها: «إن المآل الذي آل اليه الحبيب عاشور لا يمكن تبريره تبريرا مقبولا. فمن الناحية الانسانية ما كان ينبغي لهذا الرجل الذي أسدى من الخدمات الكثير في عديد المناسبات، ان يتجرع ما يتجرّعه الآن من الذل والإهانة هو واسرته وأصدقاؤه، كما انّ التهمة الموجهة اليه لا تستند الى أي مستند، والعقوبات المستعجلة التي سلّطت عليه ليس لها ما يبررها لا من باب الحرص على المصلحة العمومية ولا من باب مصلحة الدولة.

ضحية انتقام

انه ضحية إنتقام دبر أمره خفية وبكل أناة ونفذه متشف بكل قساوة خصم أو شق من الخصوم من ذوي الحقد الواضح والعجز الفاضح عن الإرتفاع فوق مآرب ذواتهم الخسيسة».

عندما أدخل الحبيب عاشور سجن 9 أفريل بتونس العاصمة، كان متهيئا نفسانيا لقبول كلّ التضحيات لإقتناعه بأن ما تعرّض له كان بسبب دفاعه عن منظمته وكان يعتبر حبّ الاتحاد في دمه فهو أغلى شيء في حياته وهو مستعدّ من أجله لكلّ شيء وكان دائم الإقتناع انه سيكون هو ورفاقه الرابحين في النهاية.

أمّا رفاقه من النقابيين الذين إنخرطوا في العمل النقابي السرّي فقد بقوا على تواصل فيما بينهم. وإن لم يقفوا الى جانب الاضرابات العشوائية التي تواتر نسقها وتزايدت، الاّ انهم لم يقفوا في جميع القطاعات ودون إستثناء ضدّ العمال الذين يمثلونهم وكانت الشعب المهنيّة عاجزة عن القيام بأي شيء ذي بال.

يقطعون خطاب الرئيس

وفي شهر أفريل 1966 استعدوا للقيام ببادرة يوم غرة ماي عيد الشغل واحضروا عددا هاما من انصارهم وكانوا بقيادة سعيد قاقي (من جامعة المعاش والسياحة) وسعيد الحداد (الكهرباء والغاز) والهادي عاشور والحاج محمد الدامي (التجهيز) والحبيب بن غزية (النقل) ومسعود كليلة (التبغ والوقيد) وغيرهم ممّن نسيت الآن ذكرهم قد قدموا متفرقين لحضور الإجتماع الذي ترأسه الحبيب بورقيبة بساحة القصبة وتجمّعوا في مكان واحد قرب المنصة، واثناء الخطاب الذي ألقاه بورقيبة، بدأوا في الصياح منادين بإطلاق سراح الحبيب عاشور ولم يفهم بورقيبة الشعارات التي أطلقت أثناء الخطاب فقطع خطابه وإستفسر عنها فأجيب بانهم يطالبونه بإطلاق سراح الحبيب عاشور ، فلم يردّ بشيء وإستمرّ في خطابه.

وعلى إثر الخطاب، إقتيد الإخوة المذكورون الى مقرّ وزارة الداخلية حيث بقوا حوالي الأسبوع في الايقاف، وتكررت خلال فترة الإيقاف أسئلة البوليس لهم عن ما اذا كان لهم إتصال بي او بعبد العزيز بوراوي، فنفوا معرفتنا لهاته البادرة التي قاموا بها في غرّة ماي

ويبدو انه منذ ذلك التاريخ، قرّ قرار الحبيب بورقيبة على إطلاق سراح الحبيب عاشور لكن ذلك لم يحدث الاّ بعد شهر أي يوم غرة جوان 1966، وربّما كان ذلك لتذكير الحبيب عاشور بعيد النصر، يوم عودته -أي بورقيبة - من منفاه بفرنسا في 1 جوان 1955 واستقباله المشهود من قبل مئات الالاف من التونسيين.

نقابيون في هياكل الحزب

لم يكن الحبيب عاشور حاقدا على الحبيب بورقيبة بالقدر الذي كان فيه حاقدا على أحمد بن صالح (وزير التخطيط والمالية والاقتصاد والرجل القوي) وان لم يتخذ بن صالح موقفا علنيا بعد عملية احتراق الباخرة (أو بالاحرى بعد بدء المحاكمة)، الا ان الحبيب عاشور كان مقتنعا بأن كلّ ما حدث له ولأحمد التليلي كان أحمد بن صالح من ورائه سعيا منه الى تنصيب قيادة  موالية له بالاتحاد العام التونسي للشغل، إنخرطت هي وأعوانها بالشعب المهنيّة لتصبح آلة مسخرة لخدمة رغباته وسياسته الاقتصادية.

بعد خروج الحبيب عاشور من السجن، كانت وفود المهنئين تتقاطر على منزله من كامل البلاد، وأرسلت وسيلة زوجة الرئيس بورقيبة من أبلغ الحبيب عاشور بتهانيها وبالفعل فقد كان لها الدور الاكبر في إقناع الحبيب بورقيبة بضرورة خروج الحبيب عاشور من السجن.

دور وسيلة بورقيبة

 فقد عملت في الفترة السابقة لخروجه على التقرب من الحبيب عاشور وأحمد التليلي فصار الناصر مخلوف ومحمد صفر وهما من المقربين منها من المترددين على الحبيب عاشور بمنزله. وقد تعرّفت عليهما لاحقا وتأكدّ لي أنّ كرههما كبير لأحمد بن صالح.

كان محمد صفر من كبار التجار وعضوا بإتحاد الصناعة والتجارة وكان الناصر مخلوف مديرا بالشركة التونسية للبنك مع عزوز المطهري مؤسسها ومديرها العام وهما في نفس الوقت من أصدقاء الرئيس حتى أواخر الثلاثينات عندما كان يعمل بصيدلية بن حمودة بباب سويقة والتي كانت ملتقى الدستوريين وقد انضاف لهذين الشخصين علالة العويتي الكاتب الخاص للرئيس بورقيبة. كلّ هؤلاء أصبحوا يعملون على تقريب الحبيب عاشور من بورقيبة.