آراء حرة

ميناء رادس : عندما تتحوّل الاستثناءات إلى قاعدة

بقلم السيد عصام بن عمر - عرف ميناء رادس، منذ سنة 2015، صدور قرارات متكررة تتعلق بتخفيض معاليم المكوث والتعريفة القصوى لحراسة البضائع ذات المكوث المطوّل، وتواصل اعتماد هذا التوجه في سنوات 2016 و2019 و2020 و2023، وصولًا إلى القرارات الأحدث، في إطار السعي إلى معالجة وضعيات متراكمة وتحسين نسق النشاط داخل الميناء.

غير أن تكرار هذه القرارات على امتداد سنوات يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى نجاعة هذا الخيار، خاصة وأن الإشكال ظلّ قائمًا بنفس الحدة تقريبًا، وهو ما يوحي بأن المعالجة بقيت في أغلب الأحيان ظرفية، دون أن تُفضي إلى حلول هيكلية مستدامة.

من زاوية عملية، تجدر الإشارة إلى أن مدة ستة أشهر الممنوحة في القرار الأخير لتخفيض معاليم المكوث تعتبر طويلة نسبيًا، وهو ما قد يدفع بعض المتعاملين إلى إبقاء السلع داخل الميناء لفترة أطول بدل تسريع إخراجها. ومع اقتراب شهر رمضان، ومع امتلاء الميناء وازدحام المسطحات، تصبح هذه الفترة سببًا في تكدّس السلع وتأخير الحركة التجارية، خصوصًا وأن المهلة الممنوحة تصل حتى شهر جوان.

لذلك، يبقى من الضروري التفكير في آليات تشجع على تحريك البضائع في آجال أقصر لضمان تحقيق الهدف الأصلي للقرار وتعزيز مردودية الميناء.

وقد ساهمت هذه التخفيضات، في بعض الحالات، في تكريس واقع تحوّل فيه الميناء إلى فضاء لتخزين الحاويات لفترات طويلة، بدل أن يكون فضاءً لتداولها.

كما أصبح انتظار صدور مثل هذه القرارات سلوكًا متكررًا لدى بعض المتعاملين، اعتمادًا على سوابق قائمة، لا على ظروف استثنائية.

ومن هذا المنطلق، يظل من الضروري التركيز على فهم الأسباب الحقيقية لبقاء الحاويات داخل الميناء لمدد طويلة، خاصة في الحالات التي تكون فيها السلع مورّدة بالعملة الصعبة وتمّ خلاص المزوّد الأجنبي (fournisseur)، وهو ما يستوجب تقييمًا موضوعيًا لدوافع هذا السلوك وانعكاساته الاقتصادية.

كما يبرز التساؤل حول نسبة نجاح هذه القرارات في تحقيق أهدافها المعلنة، ومدى قدرتها الفعلية على تقليص حجم الحاويات الراكدة وتحسين نسق التداول، مقارنة بعدد المتعاملين الذين واصلوا اعتماد نفس الممارسات، وهو ما يجعل تقييم الأثر الحقيقي لهذه التخفيضات أمرًا ضروريًا قبل إعادة اعتمادها مجددًا.

وفي هذا الإطار، يظل الهدف من هذه التخفيضات دعم المتعاملين المتضرّرين فعليًا من بعض الإجراءات أو التعقيدات الإدارية الخارجة عن إرادتهم، لا تحويلها إلى امتيازات دائمة لفائدة من ساهمت ممارساتهم، عن قصد أو عن غير قصد، في إرباك نسق العمل وإضعاف مردودية الميناء فالفارق الجوهري يظل قائمًا بين معالجة وضعيات استثنائية مشروعة، وبين تكريس سلوكيات تتكرر بنفس الآليات والنتائج.

أما فيما يتعلق بالبضائع التي يقع بيعها في المزاد العلني، فإن الإشكال لا يكمن في الآلية القانونية في حدّ ذاتها، بل في بعض الممارسات التي قد يعتمدها عدد محدود من الموردين، حين تتحول عملية المزاد إلى وسيلة غير مباشرة لاسترجاع نفس السلع عبر أطراف أو تسميات أخرى، وهو ما يستوجب مزيدًا من اليقظة والمتابعة لضمان تحقيق الغاية الأصلية من هذا الإجراء.

إن تطوير أداء ميناء رادس يمرّ عبر حلول مستدامة تقوم على الوقاية، الحوكمة الرشيدة، وتكامل الأدوار بين مختلف المتدخلين، بما يحافظ على الدور الاستراتيجي لهذا المرفق العمومي الحيوي.

خاتمة :

إن الاعتماد المتكرر على تخفيض معاليم المكوث يعكس حلاً مؤقتًا لا يعالج جذور المشكلة، ولذلك، يبقى من الضروري معرفة نوعية السلع التي تبقى لفترات طويلة، وتحديد الحرفاء المعنيين، وإذا اقتضت الضرورة استدعاؤهم، لفهم الأسباب الحقيقية وراء إبقاء الحاويات داخل الميناء.

فالفهم الدقيق لهذه العوامل يشكل الخطوة الأساسية نحو اتخاذ قرارات أكثر نجاعة، وضمان أن يكون ميناء رادس فضاءً للتداول الفعّال بدل أن يتحول إلى مخزن طويل الأمد .