آراء حرة

القانون الدولي تحت رحمة الإمبراطورية : من غزة إلى فنزويلا

بقلم رياض الشرايطي - القانون الدولي كما يروّج له ليس سوى ستار شفاف يرفعه الأقوياء على وجوه الشعوب ليتاجروا بالعدالة ويبيعوا الحرية ويمارسون النهب باسم الحق، بينما الواقع يكشف عن القانون الأمريكي، أو بالأحرى قانون القوة الإمبراطورية، الذي يُطبَّق وفق مصالح واشنطن وحلفائها والذي يفرّق فيه بين المحتل والمقاوم كما يفرّق اللص بين ضحيته ومنفذه، ومن فلسطين إلى العراق، ومن سوريا إلى فنزويلا، نرى أن القانون الدولي الرسمي مجرد لعبة سياسية يسيطر عليها الأقوى، منذ ميثاق الأمم المتحدة عام 1945 الذي ولد كأمل في حماية السيادة ومنع العدوان ومنح الشعوب الحق في تقرير مصيرها، لكن هذا الأمل سرعان ما انقلب إلى وهم، وتحول القانون إلى أداة تبرير وتغطية على التدخلات ووسيلة لتثبيت هيمنة القوى الكبرى وإضفاء شرعية زائفة على العدوان، وفي كل مرة تظهر الولايات المتحدة وحلفاؤها ليعيدوا تعريف القانون بما يخدم مصالحهم من حرب كوريا إلى فيتنام ثم إلى العراق 2003 وما أعقبها من تدمير ممنهج للدولة باسم أسلحة لم تكن موجودة ومن ليبيا 2011 حيث دمّرت الدولة باسم حماية المدنيين وما حدث في سوريا منذ 2011 وصولا إلى فنزويلا منذ منتصف العقد 2010 حيث فرضت العقوبات الاقتصادية على شعب كامل تحت ذريعة الضغط على الحكومة وكان الشعب هو الضحية في كل هذه الأمثلة بينما القانون الدولي الرسمي كان عاجزا أو مستدعى لتغطية السياسة الإمبريالية، ومن فلسطين وغزة نرى أكثر من أي مكان آخر كيف يستدعى القانون الدولي ليخفي الفظائع والاحتلال، فغزة محاصرة منذ سنوات، القنابل تسقط على المدنيين، الأطفال يقتلون، البيوت تدمر، المستشفيات تستهدف، والمجتمع الدولي يرفع شعارات القانون الدولي والشرعية بينما الواقع يقول إن الاحتلال الصهيوني المدعوم أمريكيا لا يحاسب، وأن الحق الفلسطيني في الأرض والحياة يقهر باسم القانون نفسه، وفي اللحظة التي تصل فيها الهيمنة إلى ذروتها لا يكفي العقوبات الاقتصادية ولا الضغط السياسي ولا الدعم اللوجستي بل يلجأ الإمبراطورية الأمريكية إلى ما يمكن وصفه بالاختطاف المباشر وهكذا شهد العالم فجر 3 يناير 2026 واحدة من أجرأ انتهاكات القانون الدولي في التاريخ الحديث حين شنت القوات الأمريكية هجوما عسكريا واسعا داخل الأراضي الفنزويلية واستولت على الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته ونقلتهما بالقوة خارج البلاد في عملية تنفيذ مباشر بتوجيه من ترامب شخصيا تحت ذريعة غير قانونية وبدون أي تفويض من الأمم المتحدة وكأن القانون الدولي لم يكتب أصلا وكأن السيادة ليست سوى كلمة فارغة وكأن أي مقاومة لمصالح الولايات المتحدة تعتبر جريمة تستوجب العقاب العسكري المباشر وهو ما أثار صدمة عالمية وغضبا شعبيا في أمريكا اللاتينية وفي كل مكان يرى أن العدالة الدولية تحتقر باسم القوة الأمريكية وأصبح واضحا أن القانون الدولي الذي ولد بعد الحرب العالمية الثانية لحماية حقوق الشعوب وتحقيق العدالة صار مجرد لعبة سياسية يمارسها الأقوياء وفق مصالحهم وأنه في اللحظة التي تصطدم فيها إرادة الشعب بسياسات واشنطن يلغى القانون ويستبدل بالعقوبات والحصار ثم بالقوة العسكرية المباشرة كما حدث في العراق ليبيا سوريا وفنزويلا وحين نعود بالذاكرة إلى التاريخ نجد أن هذه ليست ظاهرة معزولة فقد رأينا كيف تم استخدام القانون الدولي لتبرير الاحتلال والاستعمار منذ القرون الماضية وكيف تم قمع الشعوب في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية باسم الاتفاقيات والمعاهدات وكيف تم دعم الأنظمة العميلة وتم تهميش الثورات الشعبية من الكونغو إلى الجزائر من كوبا إلى أنغولا وموزمبيق من جنوب أفريقيا حتى فلسطين وكل تلك الأمثلة تثبت أن القانون الدولي الرسمي ليس سوى أداة بيد الأقوى لإعادة إنتاج الهيمنة على الشعوب بينما القانون الشعبي الذي يصنعه الناس بأنفسهم هو الذي يحقق العدالة هو الذي يضمن السيادة الحقيقية ويحاسب المحتل ويعيد الحقوق ومن هنا جاء صعود الحركات التحررية من الثورة الكوبية 1959 التي سيطرت فيها الشعوب على إنتاجها وحقوقها إلى حركات التحرر الأفريقية في الستينيات والسبعينيات إلى الانتفاضات العربية في 1983 و2011 كل هذه الحركات أثبتت أن القانون الحقيقي لا يأتي من الأمم المتحدة ولا من غرف السياسة والاقتصاد في واشنطن بل ينتزع بالقوة الشعبية والتنظيم الجماهيري وأن أي نص دولي لا قيمة له إذا لم يدعّم بالمقاومة الشعبية وأنه لا عدالة في العالم طالما تستعبد الشعوب باسم القانون الدولي نفسه وفي اللحظة التي يختطف فيها رئيس دولة منتخبة كما حصل لمادورو يصبح واضحا أن القانون الدولي لم يعد إلا مسرحية وأن السيادة الوطنية ليست سوى وهم طالما بقيت الإمبراطورية تحكم بالقوة، لذلك نحن اليسار الثوري نقول بصراحة القانون الذي نريده هو قانون يكتب من أسفل إلى أعلى من المصانع والحقول والأحياء الشعبية من الحركات التحررية والثورية من الجماهير المنظمة قانون يجرّم الاحتلال ويحاسب المحتل ويكافح الفقر والاستغلال ويضمن العدالة الاجتماعية والحرية قانون يحمي الشعوب وليس الطغاة والشركات العابرة للقارات قانون يفرض على أرض الواقع لا يستدعى من أعلى حسب مصالح الأقوى قانون يحرر وليس يسجن يضمن السيادة ويحاسب المعتدي يفرض المسؤولية على من يمارس القوة وليس على من يقاومها وعليه فإن أي قانون دولي يطبّق بشكل انتقائي ويستعمل لتجويع الشعوب وفرض العقوبات وتنفيذ عمليات عسكرية مباشرة تحت قيادة ترامب أو غيره هو قانون مزور ووقح وليس له علاقة بالعدالة أو بالحقوق والقانون الشعبي هو الذي سيثبت الحقائق على الأرض ويعيد للأمة كرامتها وسيادتها وحريتها فليعلم العالم كله أن اختطاف مادورو ليس مجرد حادث عابر بل إعلان صارخ عن أن القانون الدولي كما ولد قد اختطف وأن السيادة الوطنية يمكن أن تسلب بالقوة الأمريكية المباشرة وأن المقاومة الشعبية هي الطريق الوحيد لاستعادة الحقوق وإنقاذ القانون من أن يتحول إلى مجرد أداة إمبراطورية لتبرير الاحتلال ونهب الثروات وعلى هذا الأساس يجب أن تظل الشعوب يقظة منظمة مقاومة لا تنتظر من أي قوة عظمى أن تمنحها الحرية أو تحمي سيادتها لأن القانون الحقيقي لا يكتب من فوق بل ينتزع من أسفل ويفرض بالإرادة الجماهيرية ويقهر به الغزاة والمحتلين ويعيد العدالة لكل شعوب الأرض التي ما زالت تعاني من قانون القوة الأمريكي من نهب الموارد من الاحتلال المباشر من الهيمنة الاقتصادية والسياسية ومن هذا المنطلق يظل النص الثوري مستمرا في كشف الزيف وفضح الهيمنة وتأكيد أن القانون الشعبي هو وحده القادر على إعادة التوازن وإنقاذ الإنسانية من قانون القوة وأن كل حدث مثل اختطاف مادورو أو الحصار المستمر لغزة أو استمرار العدوان على فلسطين يجب أن يكون منطلقا لنهوض عالمي للشعوب لاستعادة الحقوق وإعادة كتابة القانون على أسس العدالة والحرية والسيادة بحيث يصبح كل شعب قادرا على حماية نفسه وإرادته ومستقبله لا أن يكون مجرد رقم أو ضحية في حسابات السياسة الإمبراطورية وهكذا يستمر التيار الثوري مسترسلا لا ينقطع لا يقف عند حدث واحد بل يربط التاريخ كله من الحرب العالمية الثانية إلى حرب كوريا إلى فيتنام إلى العراق إلى ليبيا إلى سوريا وصولا إلى فنزويلا اليوم وإلى معاناة الشعب الفلسطيني وغزة تحت الحصار والعدوان ليظهر أن القانون الذي لم ينتزع بالقوة الشعبية ليس قانونا وأن العدالة الحقيقية لن تتحقق إلا عندما تكون السيادة للشعوب والقانون لصالحها وليس أداة لتبرير النهب والقتل والاحتلال وهكذا يظل النص مستمرا كما يجب أن يكون التيار الثوري طويلا شاملا بلا توقف بلا فواصل مسترسلا كما هي مقاومة الشعوب ضد القانون المزيف والهيمنة المستمرة.