وثائقي

للتاريخ : صرخة سعيد قاقي في مواجهة آلة القمع والتعذيب التي طالت النقابيين

الشعب نيوز / ضياء تقتق - تُعد رسالة المناضل النقابي سعيد قاقي التي كتبها بتاريخ 31 ديسمبر 1978 شهادة تاريخية وإنسانية تحمل في طياتها نضالًا صادقًا من أجل الحرية والكرامة.

نشرت هذه الرسالة في جريدة l'humanité باللغة الفرنسية يوم غرة جانفي 1979، بعد ان وجهت إلى عديد المنظمات النقابية الدولية و إلى المدير العام لمكتب العمل الدولي.

جاءت هذه الرسالة في ظروف استثنائية أعقبت أحداث "الخميس الأسود" في تونس، حيث تعرض النقابيون لاعتقالات جماعية وتعذيب وحشي بهدف استهداف الحركة العمالية والنقابية وإضعاف الاتحاد العام التونسي للشغل واثنائه عن اضطلاع بدوره الوطني و الاجتماعي.

في رسالته، يسرد قاقي بجرأة وشجاعة تفاصيل ما تعرض له من تعذيب جسدي ونفسي، وظروف احتجاز غير إنسانية، ومحاولات السلطة لعزله وزملائه عن النضال النقابي.

الرسالة لا تكتفي بالكشف عن الانتهاكات، بل تعبّر عن إصراره على التضامن مع رفاقه المعتقلين ودفاعه عن القيم النقابية.

ما يُميز هذه الوثيقة هو توقيتها، إذ كُتبت قبل تسعة أيام فقط من وفاته، مما يجعلها شهادة أخيرة على الالتزام بالنضال حتى آخر لحظة.

إن رسالة سعيد قاقي ليست مجرد سرد لمعاناة شخصية، بل صرخة مدوية تعكس صمود الحركة النقابية في مواجهة القمع والاستبداد، وتظل محفزًا للأجيال القادمة للدفاع عن الحقوق والكرامة الإنسانية.

وفي ما يلي نص الرسالة:

"بمناسبة اجتماع اللجنة النقابية لمنظمة العمل الدولية، أود أن أقدم كتابة شهادة حول التعذيب الجسدي والنفسي الذي تعرضت له شخصيًا في مقرات جهاز الأمن الوطني، وحول ظروف الاحتجاز التي أدت إلى تدهور حالتي الصحية منذ الأسابيع الأولى لاعتقالي، وحول المسؤولين الحقيقيين عن مجزرة 26 جانفي.

اتخذت هذا القرار إثر تصريحات أدلى بها مسؤولون في الحكومة على أعلى مستوى، ينكرون فيها وجود التعذيب في تونس ويدّعون احترام حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية، ورغم المعاناة التي ما زلت أعيشها بعد وضعي في "الحرية المؤقتة" وإدانتي من قبل محكمة أمن الدولة التي لم تستمع حتى إلى أقوال، قررت تقديم تكذيب قاطع لمزاعم السلطة.

بصفتي الكاتب العام للنقابة الوطنية لعمال المعاش والسياحة منذ عام 1970، تم اعتقالي مع حوالي 200 رفيق من النشطاء والمسؤولين النقابيين يوم الجمعة 27 جانفي 1978، حوالي الساعة الواحدة صباحًا، في مقر الاتحاد العام التونسي للشغل في تونس، حيث كنا محاصرين من قبل قوات الشرطة منذ 25 جانفي – أي قبل الإضراب التحذيري المقرر في 26 جانفي – دون أي مبرر يمكن الاستناد إليه يتعلق باضطرابات في الشارع ضدنا.

خلال هذه الفترة من الاحتجاز، كنا محرومين تمامًا من الطعام ومن أي اتصال بالخارج، حتى الهاتف كان مقطوعًا. وأؤكد هنا قناعتي بأنه لو لم نكن قد حُيّدنا بهذه الطريقة، لكنا قادرين على تحمل مسؤولياتنا في التحضير للإضراب بهدوء وانضباط، وفق توجيهات قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل والاخ الحبيب عاشور.

اليوم، أنا مقتنع تمامًا أن الهدف من احتجازنا كان منعنا بأي وسيلة من أداء دورنا ومواجهة الاستفزازات التي أعدت عمدًا بهدف خلق اضطرابات في 26 جانفي. كان الهدف هو محاولة التغطية على نجاح الإضراب، وإلصاق مسؤولية العنف بالاتحاد العام التونسي للشغل، وكسر الحركة النقابية.

خلال اعتقالنا ليلة 26-27 جانفي في مقر الاتحاد، كانت قوات الشرطة قاسية وعدوانية للغاية تجاهنا. تم احتجاز معظمنا في زنزانات رطبة وباردة وخالية من التهوية، حيث بقينا لأسابيع عديدة قبل نقلنا إلى السجن المدني في تونس في أواخر مارس 1978.

خلال هذه الفترة، تعرضت لعدة استجوابات كانت تدوم ساعات طويلة في ظروف وحشية ومهينة وغير إنسانية.

كان يتم تجريدي من الملابس وإجباري على الجلوس عاريًا على الأرض أحيانًا، مع تقييد قدمي ويدي وتعليقي على قضيب موضوع بين طاولتين، بحيث يمر القضيب بين ذراعي وركبتي. في هذا الوضع، كانوا يضربونني على باطن قدميّ بعصا خشبية لفترات طويلة. وعندما تتورم قدميّ، كانوا يسكبون عليهما ماءً باردًا.

كان هذا الإجراء، المعروف باسم "الأرجوحة" أو "الدجاجة المشوية"، يستمر أحيانًا لساعات.

كانوا يهددونني بأسلاك كهربائية موصولة وسجائر مشتعلة، إلى جانب الإهانات المستمرة والكلام البذيء. كل هذا كنت أتحمله في ظل ظروف احتجاز سيئة، مع قلة النوم وسوء التغذية.

كان التعذيب يتم تحت إشراف وتنفيذ عدة شرطيين بملابس مدنية. كانوا يسعون لجعلي "أعترف" بأحداث لم تحدث أبدًا (مثل تخزين أسلحة في مقر الاتحاد العام التونسي للشغل، وتوجيهات الحبيب عاشور بشأن استخدام هذه الأسلحة).

في الختام، أود أن أؤكد على النقاط التالية:

1. لم يتم إطلاق سراحي مؤقتًا إلا عندما لاحظت السلطات أن حالتي الصحية أصبحت حرجة. ورغم ذلك، رفضت هذه الحرية التي لم أطلبها، معتبرًا أن مكاني هو بجانب الرفاق المعتقلين منذ 26 جانفي، وأن هذا الإفراج يجب أن يكون جماعيًا وشاملًا.

2. اليوم، الطبقة العاملة ومنظمتها النقابية، الاتحاد العام التونسي للشغل، والحركة النقابية ككل، هم المستهدفون. إن الوطنيين الحقيقيين، الذين ضحوا بكل شيء من أجل تحرير الوطن، والذين ناضلوا من أجل الاستقلال والكرامة الوطنية، هم من يتعرضون الآن للملاحقة والاعتقال والتعذيب.

ومع ذلك، وبفضل دعم العمال وكل القوى الحية في البلاد والتضامن الدولي للعمال، ستتمكن الحركة النقابية من استعادة قوتها من خلال نهضة اتحاد عام تونسي للشغل مستقل وقوي يخدم الطبقة العاملة في البلاد.

3. أعبر عن تضامني مع الاخ الحبيب عاشور، وكل الرفاق المعتقلين، ومع بقية أعضاء اللجنة الإدارية الشرعية، وكل الإطارات والنشطاء النقابيين الذين يتحملون اليوم مسؤولية استمرارية الحركة.

تونس، 31 ديسمبر 1978

التوقيع: سعيد قاقي. "