مسلسل "صحاب الأرض"..يشهد على مجازر العصر ويدخل منطقة الاشتباك السياسي المباشر

الشعب نيوز/ طارق الشيباني - لم يحتج مسلسل «صحاب الأرض»، المعروض خلال شهر رمضان على قنوات مصرية، إلى أكثر من حلقتين كي يغادر مربع التلقي الفني الهادئ ويدخل منطقة الاشتباك السياسي المباشر. فقد تناولته وسائل إعلام صهيونية باعتباره «خطوة سياسية مدروسة من القاهرة»، معتبرة أن العمل يعالج الحرب على غزة بأسلوب لا يُظهر الكيان الصهيوني بصورة إيجابية.
في سياق إقليمي متوتر، بدا واضحاً أن المسلسل - من إخراج بيتر ميمي وبطولة منة شلبي وإياد نصار وتارا عبود - دخل مبكراً في دائرة التجاذب، لا بوصفه منتجاً ترفيهياً فحسب، بل باعتباره سرداً موازياً للحرب. غير أن هذه الضجة تكشف مفارقة لافتة: فمجرد إعادة مركزية الإنسان الفلسطيني داخل الحكاية الدرامية بات يُقرأ لدى دوائر عديدة كفعل انحياز سياسي. ومن زاوية نقدية ، يبدو الجدل نفسه جزءاً من معركة أوسع حول من يملك حق رواية المأساة، ومن يحدد سقف التعاطف المشروع مع الضحايا. هنا تحديدا تتجاوز قيمة العمل حدود الضجيج الإعلامي لتطرح سؤالها الجوهري: كيف يمكن للدراما أن تقارب حربا تُبث تفاصيلها لحظة بلحظة دون أن تسقط في المباشرة أو الاستجداء العاطفي؟
هبوط تراجيدي
منذ حلقاته الأولى، يبتعد «صحاب الأرض» عن صخب الشعارات، مقترباً بهدوء موجع من الإنسان الفلسطيني في لحظة انكشافه القصوى، محوّلاً الكاميرا إلى عين شهادة تعيد للضحية حقها في الحكاية، وتعيد للمشهد الإنساني كثافته التي تبتلعها لغة الأرقام. تتمحور الحبكة حول سلمى(منه شلبي) ، الطبيبة المصرية التي تعبر إلى غزة ضمن قافلة طبية.
لم يكن عبورها انتقالاً جغرافياً فحسب، بل هبوطاً تراجيدياً إلى قلب العتمة. هناك تتقاطع يومياتها مع ناصر(إيّاد نصّار)، الشاهد على قصف منزله واستشهاد عائلة أخيه في واحدة من أكثر لحظات العمل قسوة، وهو مشهد يؤسس للخيط الدرامي المركزي: محاولة إنقاذ الطفل يونس، الناجي الوجيد من مجزرة عائلية، والذي يتحول تدريجياً إلى رمز مكثف للتشبث بالحياة وسط جغرافيا تتآكل.
سماء محكومة بزرّ
غير أن قوة العمل لا تكمن في عرض الفقد وحده، بل في تشريح البنية اليومية للموت تحت القصف. في إحدى اللحظات الصادمة، ترصد الكاميرا صواريخ تستهدف مباشرة مواطنين عزل داخل سياراتهم، في مشهد خاطف يختزل هشاشة الحياة تحت سماء محكومة بزرّ إطلاق بعيد. ويتضاعف الأثر حين تصل الضربات إلى الفضاء الطبي نفسه: صاروخ «ذكي» يضرب غرفة العمليات في لحظة إنقاذ حرجة، في مفارقة سوداء بين دقة التكنولوجيا العسكرية ووحشية توظيفها.
لا يلجأ الأخراج هنا إلى خطاب مباشر أو عبارات تقريرية، بل يراهن على برودة واقعية تضاعف القسوة: وجوه مذهولة، أجهزة ترتجف، وصمت كثيف يسبق الفوضى. حتى الطائرات المسيّرة الحربية تُقدَّم بوصفها عيناً باردة تقترب من المواطنين العزل إلى حدّ انتهاك خصوصيتهم الإنسانية قبل أن تتحول إلى أداة قتل، في صورة رمزية مكثفة لهيمنة ترى كل شيء… لتقرر من يبقى ومن يُمحى.
الصمت أبلغ
بالتوازي، ينسج المسلسل خطاً درامياً آخر عبر كارما (تارا عبود) الفتاة الفلسطينية المقيمة بالضفة الغربية التي تفصلها الحرب عن والدها المحاصر داخل القطاع. مكالمات متقطعة بفعل انقطاع الكهرباء وضعف الشبكات، وطفلتان صغيرتان تتحمل مسؤوليتهما تحت ضغط الخوف. هنا ينجح العمل في تحويل الانتظار ذاته إلى حدث درامي مكتمل، حيث يغدو الصمت أبلغ من الحوار، ويصبح الزمن نفسه جزءاً من آلة الحصار. جمالياً، يعتمد بيتر ميمي إيقاعاً متدرجاً واقتصاداً واضحاً في الحوار، مع حضور مكثف للقطات القريبة التي تلتقط الانفعال في لحظته الخام. هذا الخيار يمنح العمل طابعاً شبه توثيقي، ويقرّبه من سجل وجداني للحرب أكثر من كونه دراما صاخبة تبحث عن الإثارة.

* منّة شلبي، بطلة المسلسل.
الجبهة الموازية
إذا كان «صحاب الأرض» قد أثار كل هذا الاهتمام المبكر، فلأن المعركة اليوم لم تعد تُخاض بالسلاح وحده، بل بالصورة أيضاً. فالدعاية الإعلامية، في زمن الشاشات المفتوحة، تحولت إلى جبهة موازية تحدد من يُرى ضحيةً ومن يُختزل إلى رقم هامشي. ومن هذه الزاوية، يكتسب العمل أهميته: إنه يحاول عبر الدراما إعادة التوازن إلى مشهد اختلّ طويلًا لصالح سردية القوة. ليس المقصود هنا تحويل الفن إلى منشور دعائي مباشر، بل التنبيه إلى أن الإنتاج الدرامي، حين يقترب بصدق من الألم الإنساني، يمكن أن يساهم في دعم القضايا العادلة عبر تفكيك الصورة النمطية التي كرّستها آلة إعلامية كونية.
سؤال أخلاقي حاد
فالمشهد الذي يوثّق استهداف المدنيين، أو قصف غرفة عمليات، لا يعمل فقط على إثارة التعاطف، بل يضع المشاهد أمام سؤال أخلاقي حاد حول معنى «المنظومة الحقوقية الكونية» التي كثيراً ما تُرفع شعاراتها في الخطاب الغربي بينما تتعثر اختباراتُها في لحظات الإبادة الحية. في هذا السياق، يبدو «صحاب الأرض» امتداداً لتجربة مخرجِه بيتر ميمي في الاشتغال على الدراما ذات الخلفية السياسية والأمنية، كما في مسلسلي الاختيار والحشاشين، حيث برز ميل واضح إلى بناء سرديات مشحونة بالرهانات الوطنية والتاريخية. غير أن العمل الجديد يذهب خطوة أبعد، إذ ينقل الاشتباك من حقل الأمن والسياسة المحلية إلى فضاء إنساني عربي مفتوح، أكثر هشاشة وأكثر تعقيداً.
السؤال الجوهري
يبقى الحكم النهائي مرهوناً بما ستكشفه الحلقات القادمة، لكن المؤكد حتى الآن أن «صحاب الأرض» نجح في إعادة طرح سؤال جوهري: هل يمكن للدراما العربية أن تتحول إلى أداة وعي تكشف اختلال ميزان العدالة الكونية، دون أن تفقد شروطها الفنية؟ إلى حدود الحلقات الثلاث الأولى، يبدو أن العمل يسير على هذا الخيط الدقيق بثبات محسوب، منحازاً — بوعي جمالي — للإنسان حيث يجب أن يكون الانحياز، ومذكّراً بأن معركة الرواية لا تقل خطورة عن معركة الميدان.

* ابطال المسلسل


