جريدة الشعب نيوز
ثقافي

مفيدة الغضبان : المتشجّرة والتّعالق

الشعب نيوز / المنذر العيني – الهويّة ماهيّة داخليّة في رصدها للكينونة الإنسانيّة في علاقتها بمحيطها الدّاخلي الخارجيّ في ٱن، قد يتمظهر ذلك على السّطوح أو تحتها في بنى تشكيليّة معاصرة مشرّعة لا متناهية دائمة التّساؤل في تعالقها مع النّصوص مختلفة في أجناسها وفي تأسيساتها المفاهميّة، ومع ما تفرضه الضّرورة الابداعيّة في ٱداءاتها داخل الورشة تتحاور مع المعقودات من موسيقات، مع ألواح خطابيّة تصويريّة فتوغرافيّة سينمائيّة، مع شعاب من مروج كلاميّة شعريّة متناثرة مدقوقة في إيقاعاتها، في تصاريف ركحيّة صاعدة بٱلائها عند التّطهّر، أو من حفريّات وبحوث ونقائش وخزوف وبلوريّات ورقيّات، من فجٱت وتراكيبَ وعهودٍ شتّى في عروضها القياسيّة…،

والبسط خفض من مقامات وجِدالٍ ونَوالٍ في ما لا ينتهي من ممارساتٍ تتغاير روافدَ وذرائعَ وملهماتٍ محفّزاتٍ دافعيّاتٍ متواترةً، مازالت تنوء في أعبائها التّفكّريّة في حملها إلى وفاءاتٍ معلّقةٍ متراسلةٍ مع ما تحيله جماليّاتٌ محليّةٌ طافقةٌ غائرةٌ ومع ما راكمته التّجاربُ العالميّةُ وتُراكمُ في متناظراتِها، مَنحَيَين في منحًى واحد في رحاهما مع الذّات الانسانيّة تخلّق في ما تخلّقه من احتمالات تتحقّقُ، تترفّقُ بهذه الكينونة في جمعها المفردِ، مفردِها الجمعِ، من الفلسفي إلى الماديّ ومنه إلى ما يعلو من عراجين روحانيّة قد تقولنا بطرائقها تتنامى مع طيرانها الّذي يدور ينوس إلاّ لِيسبرَ داخلا فينا مشتركا ومتنوّعا في ٱن : الإنسانيّ في تلازمه مع التّعقيد ومع البساطة، مع الجوهر ومع العابر مع الهامش ومع المتن مع الهشّ وضدّه مع الصّوت وصداه… مع الّذي يتبقّى من حيوات ثاويةٍ ثائرةٍ في ٱن؟ ثنائيّات من قيم مطلقةٍ تترادف في تلك المعادلات الدّاخليّة انطلاقا من حملها على التّجذّر، والتّشجّر، والنّمو،ّ والإدلاء، على الولادة على الحياة و الموت، على القيامة في بعثنا من جديد. والعود بدء في المحاولة، عندها، ننظر للهويّة شؤونا خاصّة عامّة علاماتٍ حدوسا سيميائيّاتٍ لاهيةً تتصافح في مستقرّاتٍ على محاملها هانئةً، في حين أنّها لا تهدأ أبدا، ضاجّة ضاخّة تأويلات وتأويلات ذلك هو التّشريح الذي تمليه حركة الفنّ تزخر في صعودها وتنزل، تشكّلنا في ما تُبقيه من إنشاء وخَرْق ومن بناء وعدول، تنزاح أبدا إلى ما يغرب عن العادة والمألوف، حسبُ تلك الحركة أن نمضي معها إلى استعجالها عند الضّرورة. ولا حقيقة إلا ما تبنيه مِحنُ المعنى تلك في تعدّده، وهو يتخلّق من شأن إلى شأن عند تولّده عبر مسارات من الأفكار والتّصوّرات في تدفّقات مستمرّة من صيرورة الحياة، تتشاجر أو تتشجّر الأسئلةُ منها وفيها عوالمَ حيّةً من خلايا تبصرّية ترتقي من بعضها البعض في أفلاكها وهي تدفع للتّوحّد للمحاورة في هذه الحُمّى من المفارقات، في كل ما تتجلّاه يد الرّسّام تمتدّ إلى ضوئها من المعارف تعقد صروفا من المنتجات الفنيّة تستمرّ ولاّدةً حافرة غارفةً من جدليّات متواترات حول الماهيّة وحول الٱداء.

تقديم
مناسبة عالية أثّثتها الباحثة التّشكيليّة مفيدة الغضبان في معرضها الذي أقامتها برواق الشرفي بالمعهد العالي للفنون الجميلة بسوسة يوم 15 أفريل الجاري 2026 في سياق فعاليات ملتقى بحثيّ فكري تداولت فيه الرّؤى والمقاربات حول النّحت.
أعمال ومعارض دأبت الفنّانة الأكادميّة بالمعهد العالي للفنون الجميلة بتونس على إقامتها دوريّا في أروقة معروفة بسيدي بوسعيد أو في دور الثّقافة، أو بالمتحف المعاصر بمدينة الثّقافة، بأروقة الفنون في معاهد للفنون الجميلة كشأن هذا العرض تحت عنوان ” المتشجرّة” في سياقات ما يستوجبه الحرص الأكاديميّ على البحث وعلى المداومة في جعل المباحث تترجمها التّطبيقات التّشكيلات من لوحات مساحاتٍ من الألوان تتشابك في نوازعها الفكريّة مشتقّة صيرورة للقراءة وللتّمعّن، أرضياتٍ للتّفاعل مع المنجز الّذي ماتفتأ مفيدة تمنح مرتكزاتٍ تأويليّةً لمعنى الشّجرة الّتي تسكنها انطلاقا ممّا يعتمل خلف الأقواس من حيثيّات كثيرة حول الأسئلة وحول المناخات والٱفاق.
هي مقامات مناسباتيّة تؤّكد هذا السّكن النباتيّ المتفرّع في أعمالها المتلألئة في بريق ألوانها وجرائد أعمدتها ومواكب تكويراتها وهسيس أرياحها وسرير أرواحها وعلائق جذبها… من خلال ما تبيّنه الرّسّامة من حوافز ومنطلقات في فضاءات التّنظير حتّى ينشأ هذا المادّي من العمق الفكريّ على أرضيّة من لوحات أو من قياسات من عروض متنوّعة معتبرة إيّاها هي الشّكل بكل مَفَارقه من أعشاش مُشكلَّةٍ جزئيّةٍ مكوّرةٍ داخل فجوات وأنسجة متطايرة دائمة الحَراك تسعى جاهدة أن تتقصّد اللّغة في رهانتها التّعبيريّة عنها في قدرتها على الملاءمة معها، فالشّجرة بالنّسبة للمفكّرةِ فكرةٌ واختباراتٌ متفاعلة اشتغل عليها فنانون كثرٌ عناصرَ أو محاورَ من أركانٍ ومساحاتٍ ومشهديّاتٍ غير أنّ منحاها في هذه التّقديمات صيغٌ متناوبةٌ تزيد من الفرق بينها وبينهم، هي المبتدأ متقدّما قبل نواسخه أساسه في حَرج التّسمية أو في جَرحها من البيانات ” المتشجّرة”: فاعليّة مفعوليّة من وجاهة للاسناد بينهما تريد تقييد أفكارها عسى أن يتأشكل الموضوع تتجسّد فيه هذه العلاقات في جيئتها وذهابها تلد حالات من العسر واليسر تتناوب في التّأمّل في والتّأويل حيث تتقاطع المسارات متٱلفة متنافرة مع مشهديات وقائع كيفيّاتٍ قد تكون لها من التّواصل التّعبيري لحالتنا أيّاما سياسيّة صعبة تنحو إلى الغلق والأدلجة لذلك جوّزت الباحثة هذا بذلك في تعالق مردّه رؤية التزاميّة في غرامشيّتها من أجل مكانة طبيعيّة للمرأة في ممارسة حرياتّها رغم ما تنوء به هذه الذاكرة من ضيم.
ألواح من استيتيقا الشّجرة سنحاول فيها التمشّي في ظلال ما بيّنته المتحدّثة الكفأة في إضاءاتها يومها، من تجليّات معرفيّة معاصرة منهجيّة باللّغتين العربية والفرنسيّة تتعاضدان في حلج رقائق من معلومات حول جدل الفكريّ بالبصريّ بالمراوحة والتدرّج في إيقاعات متجانسة في الضرب تبني الفهم والمفهوم بالدّلائل في إعجازها الخطابي حتّى نستمتع بما أفادته من عمل التشّجر في مماهاة مع حدث الإنسان وجودا وتناسخا في تجربته بين فضاءين في توازنه الهشّ..
التّقديم حينئذ يضحي نافذة صغرى على ما ستستجيب إليه الإنارات من فحوص نظريّة أدلت بها الفنّانة، وروافد من ورشاتٍ ومنتبذاتٍ غائرة محليّة أعلتها وما ستعلو به القراءات من تعالقات إجرائية تمسّ الذّات في شخصيّتها هي، وفي ما يمكن أن تؤول منها إلى حلقات حتّى نسترجع أبعادا أوشاما تحتكم إلى التّراسل المجازيّ في اعتباريّاته الفرديّة الجمعيّة من معان إنشائيّة إخباريّة في ٱن، قد يسم مفيدة الغضبان بسابرة للأغوار عبر ما انفتحت عليه من طاقات فلسفيّة تعوّل على المشرّع دائما مليئا بالحركة وبالحياة. ليس هنالك من مواضعات تساؤلية للمسألة في إشكالياتها غير ما سترصده العين ويعمله المأمول من تدقيق للرّؤية إلى هذه المنحدرات من عيون تكاد ترى في إلقائها الضّوء. فهل للتّعالق هذا متغيّرات أخرى للتّجريب التّشكيلي في مستندات قادمة تركيبيّة تكون فصولا أخرى من شجن هذا التّشجّر؟ التّأكيد يتواصل في عامليّة الأنساق في هدوئها أو هيجانها في حياتنا الوجوديّة من خلال ما يحدثه المدّ دائما.
مفيدة الغضبان: المتشجّرة والتّعالق
ما تدنيه سيرة التّفكير يبنه عامل الورشة، قدرا من متوازيات شتّى أدّى إلى هذا الاعتبار الفكري عند الباحثة مفيدة الغضبان أنّ الشّجرة حياةُ مسار بحثيّ حسيّ من عنصر بصريّ إلى تفكير في الكينونة الإنسانيّة يتناسق هذا مع ما يبعِده المجاز في هرميّةِ تشكيلاتِها تضحي تشظيّا واعيا إلى شبكة من علاقاتٍ، بدايتُها ما تذهب اليه الميثولوجيّات عند الخلق تنطلق من سدرة المنتهى وتشرع في الحياة.
ينطلق البثُّ ممّا تعرضه اللّوحة من ماديّاتها إلى شفافيّة قابلة للإحساس في لامرئيّتها ومرئيّتها معا فمن هنالك ينشأ التّعالق من الملمسيّات لطبقات لونيّة متراكبة تحاكي نمو الشّجرة بخطوط متشعّبة ترقّ وتغلظ تدقّ إيقاعاتِها المخصوصةَ شيئا فشيئا في مراوحته وتدرّجه المدروس حتّى تلبّيَ اللّوحة نداءها من فضائها الماديّ عبر سطوحها وألوانها وٱثارها من معميّات مهيكلة تشجريّة تقرب أو تبعد من طرازات للشّجرة في حملها وأحمالها في بيئات متنوّعة، ممّا تنمّيه القصديّة البنائيّة للجماليّة في أسرارها الورشيّة وما بين شطرها من فضائها الثّاني في وحدته المعنويّة يرصد داخلها، روحها، ذاكرتها، ممّا تجنيه بين العالمين الحسّي والتّجريدي، فنستشفّ حينئذ أنّ اللّوحة لا تُرسم دفعة واحدة بل تنمو على قلق في تماسّ مع الفضائين، تدرك ذلك الرسّامة أنّه لا فصل بين الجبهتين جبهة الخارج وجبهة الدّاخل في حركتيهما اللّولبية وهي تتدرّج من التّكوين إلى الخلاص، تصير معها الشّجرة تفكيرا يتجاوز التّمثيل، تصير معها وبها في لحظة اتّحاد لا تحصل إلاّ في الفنّ يصبغ في قيامته حيوات أخرى متعالقة.
في هذه النّوازع من التّراتيب التّقنيّة لا تهرب الغضبان من روافد تونسيّة في متنوّع تجاربها في مدرسة تونس قدر التقاءاتِها بهم في العمق بعد أن صيّرت التّصوير تفكيكا، والانطباع في ما تبقيه اللّمسة خدودا ووجنات، وفي ما تفتحه الألوان على اللّانهاية، كلّ ذالك تستدرجه في ما تستدرج وهي تتعاطى مع تمكّنه فكرة التّعدّد انطلاقا من جذمور جول دولوز إلى شجرتها في تشجرّها المتحرّك وفي ما بنته العلاقة من اتّصال مع المحيط خلاصة هيديغار عن الكينونة، وفي روافدنا التّصوّفية بنيةً فوقيّةً وحدةً للوجود بين برزخين يتأرجحان من المرئيّ إلى اللّامرئي عناقا تواتره تلك العناقيد والأثمار والأوراق والشّظايا يغدو السّطح يطفح بهياجاناته حيث لم يعد مساحة بل صار جسدا.
في أشغالها معماريّاتٌ تركيبيّة مختلفة قد لا تظهر إلاّ في شقوق السّطوح الرّقيقة تحتها حيث تتنافذ مع انسلم كيفر في رصدها للمادّة كذاكرة تاريخيّة أيضا تتبادل مع فلسفته مِنحا من جذور وأوراق وأغصان فلقات أثمار مشبعةٍ بأصفرها الفاقع يغزو الفجوات ليصبغ لحظات استثنائيّة من الاستشعار، في هذه الإضافات والكشوط حتّى نقترب من تعلّق محفّز على الشدّ في اختباراتها التّجريبيّة من وإلى الشّجرة في حاضنتها من نَسبٍ واضح مع الأرضِ ومع الهواء. ذلك ما يربط الوسائط في شيء من فوضى تصغي من خلالها إلى أصواتٍ وٱذان.
تدخل ورشتها بها تتلمّس قبل الرّسم لا تحسم أمرا في ٱنضباطه المنهجيّ المعلوم، وتحسم أيضا، في تلك المفارقات المخفّفة لتفتح أشباها من الممرّات لإمكان الصّورة كأنّها تلاحق أو تتهرّب في حركة دؤوبة بين الحسّي والرّوحيّ متجارةً استعارتَها الكبرى تريد أن توحّد بين جلّ قرائنها المانعة فهي لا ترسم شجرة بل تُحدثها، خطوطا هاملة في تواشج مع روح بول كلي في أثر الحركة لخطوط لا تعترف بالحدود ولا تحرس أيّ تأطيىر، وتحرس، تفتح الرسّامة خطوطها على غير منوال لتعبر طبقات من ذاكرة وصُموتٍ داخل هذه الصّياغات الحواريّة لتمكّن أقصى ما يمكّنه التّوليف أن نحضر مقاماتٍ متداخلةً من نزوى المحاضر والمشهديّات غارقة في ارتقاءاتِها الممتدّة تتخّذ مناخاتٍ متعدّدةً في تشجّرها البصري فلا تستقرّ إلاّ على أعمالٍ لا تكتفي بالرّؤية بل تحفّز على البناء المشترك ممّا تتقوّله البصيرة في بعث قيامة لا تنتهي.
تتشرّب الألوان حرارتها مستميتة مع تقشّراتها في زواجاتٍ تعلق مع ذلك الأصفر الحرائميّ من محوح هجينةٍ تتنافس مع درجات من الحُمرات تتشنّج مع الأسود والبنفسجيّ خالقا بلورات راقصة ورهانات. مدارتُ من قضايا التأهيل تتراسل هذه الأفواه اللّونيّة متكلّمة صادحةً بإشارات ورسائل وطقوس تنحدر من فوانيس للحلقات في طغيانها عند الشّطح ينمو مع نماء اللّوحة في سحيقها أو في دِهان ورودها من هذه المجرّات في كونها المتجانس يخلق طِباقَة وهو يتعالق.
مفيدة الغضبان رسّامة تشكيليّة حيّة في هذا العرض لا يهدأ معها التّنظير ولا تستقرّ على إلاّ على النّماء تحيله إلى العمق، عبر ما تسعى إليه في فرادة الشّجرة كمدارات تتمدّد في الرّوح لتعلن عن تجريدٍ يُمكِّن، وعن تجريب ممكن لمتنفّسات للهويّة التّشكيليّة التّونسيّة المعاصرة.

مقالات مشابهة

فيلم “مجنون فرح” لليلى بوزيد في قاعات السينما: كل من اسمها فرح ستشاهد الفيلم مجانا

admin

نبيهة كراولي تغني للمرأة وتحيي فلسطين في اختتام الدورة 59 لمهرجان الحمامات الدولي

admin

شط الارواح في سليانة…

admin