الشعب نيوز/ تونس – تقترن احتفالاتنا بعيد الاضحى المبارك وغيره من المناسبات بتنقل كثيف للمواطنين في كل الاتجاهات وبشكل خاص من العواصم الى الدواخل. ومن سنة الى اخرى، تتفاقم صعوبات المواطنين في الحصول على وسيلة النقل الملائمة وخاصة منها الحافلة والقطار. في المقال التالي يصف ضياء تقتق بعضا من المعاناة التي تسلط على المواطن في بحثه عن وسيلة النقل الجماعية وعن متعة او ذاكرة السفر الجماعي التي خسرتها تونس ومواطنوها بجريهم المحموم اما وراء النقل الفردي (العائلي) الخصوصي او وراء النقل التجاري الخاص.
العاشرة صباحًا
في محطة النقل البري بتونس الجنوبية، لا أحد يبدو وكأنه يمشي فعلًا. الجميع يركض.
حقائب صغيرة تُجرّ فوق الإسفلت، أكواب قهوة ورقية تتنقل بين الأيدي، أصوات المنادين تتداخل مع ضجيج المحركات، وسائق يصرخ من بعيد: “سوسة… سوسة…!”
في طرفة عين، مرّت نصف ساعة كاملة من دخولي مشرب المحطة، بين تأكيد موعد مهني وتأجيل آخر، وبين مكالمة مقتضبة وأخرى لم يُجب عنها أحد.
كانت “المحطة” تبدو وكأنها تستعجل نفسها دون سبب واضح، بينما كنت أبحث فقط عن مقعد قرب النافذة في “اللواج” المتجه نحو سوسة.
في انتظار شيء لا يكتمل انطلقت العربة أخيرًا بعد أن اكتمل عدد الركاب. جلس السائق في صمت ثقيل، ثم ضغط على المنبّه بعصبية وهو يشقّ طريقه وسط فوضى سوق المنصف باي، في رحلة كانت تنبئ بتعطيلات قادمة وعصبية أخرى تتعلق بالمرور عبر مداخل العاصمة ومخارجها التي لا تنتهي أشغالها أبدًا، كأن القدر نفسه قرر أن تبقى تونس دائمًا تحت التهيئة، دائمًا في انتظار شيء لا يكتمل.
آخر حكماء الأرض
وضعت السماعات في أذني بسرعة، كمن يغلق بابًا داخليًا على نفسه. لم تعد لدي القدرة على احتمال البرامج الإذاعية الصاخبة، ولا تلك الموسيقى الرديئة التي تُفرض على الركاب فرضًا. لكن السبب الأهم كان شيئًا آخر: أحاديث المسافرين. ذلك اليقين الجاهز الذي يملأ العربات. الجميع يملك تفسيرًا نهائيًا للعالم، والجميع يتحدّث كأنّه آخر حكماء الأرض.
إلى جانبي، جلس شيخ سبعيني يحمل كيسًا بلاستيكيًا صغيرًا ورائحة تبغ قديم. كان ينظر إلى الطريق بصمت طويل قبل أن يلتفت نحوي فجأة ويسأل:
– “أتعرف القطار يا بنيّ ؟”
ابتسمت دون جواب واضح.
لم ينتظر الرجل ردّي أصلًا. كأن السؤال كان موجّهًا لنفسه.
قال وهو يراقب السيارات المسرعة:
– “بكري… السفر كان عندو طعم آخر. موش كيما توا. القطار كان يجمع الناس.”
ثم صمت قليلًا وأضاف:
– “اللواج يوصّل… أما القطار كان يخلّي الناس تتعارف.” – سمعت ماقاله بصعوبة، رغم وضعي للسماعات، وهي من مزايا الذكاء الاصطناعي و جودة الالة الصينية التي استعملها –
كانت الجملة بسيطة، لكنها بقيت معلّقة في رأسي طوال الطريق.
كان جزءًا من الذاكرة
في طفولتي، عند زيارة مسقط رأسي، وفي فترة لاحقة أثناء دراستي الجامعية بضواحي مدينة صفاقس، لم يكن القطار مجرد وسيلة نقل. كان جزءًا من الذاكرة الجماعية للتونسيين.
العامل الذي يستيقظ قبل الفجر متجهًا إلى العاصمة، الطالب الذي يحمل حقيبة ثقيلة وأحلامًا أكبر من المدينة التي جاء منها، العائلات الشعبية التي تسافر إلى البحر مرّة كل صيف، الكشافة بأزيائهم وأناشيدهم وضحكاتهم العالية، الجنود الذين يلتحقون بثكناتهم أو يزورون عائلاتهم في إجازات خاطفة، حتى الباعة المتجولون كانوا جزءًا من المشهد: “قهوة… ماء… قازوز”، والمناداة على شطائر ملفوفة في ورق الجرائد، وأكواب شاي صغيرة تتحرك بين المقاعد.
قطار يشبه البلاد
كان القطار بطيئًا أحيانًا، ومتعبًا أحيانًا أخرى، لكنه كان يشبه البلاد: منفتحا على الجميع. في عرباته العديدة المترابطة ، في الممرات، وبين العربة والأخرى…
كانت تونس تتعارف على نفسها: الطالب يجلس قرب الفلاح، والعامل قرب الموظف، والغريب يدخل في حديث طويل مع سائح لن يراه مجددًا. هناك، داخل عربات الدرجة الثانية، كانت البلاد تبدو أقل قسوة وأكثر مساواة.
أما اليوم، فالقطار أصبح عنوانا لفشل منظومة النقل بين المدن، وانهيار المؤسسات المشرفة على النقل العمومي الداخلي، مع تدنّي رهيب في التسعيرة يقابله تدنّي في الخدمات،
واليوم كذلك أصبح كل شيء أسرع وأكثر وحدة.
داخل “اللواج”، كان كل راكب محاصرًا بعالمه الصغير: هاتف، سماعات، شاشة مضيئة، أو صمت ثقيل. حتى الحديث بين الغرباء صار نادرًا، وإن حدث، يتحول بسرعة إلى مباراة في رفع الصوت أو توزيع الأحكام النهائية حول السياسة والدين والناس. …
عند حاجز الاستخلاص بالطريق السيارة، توقفت العربة قليلًا. تذكّرت فجأة رحلات الطفولة. كنا نعرف المدن من النوافذ. نعدّ الأشجار، نراقب المحطات الصغيرة، ونحفظ أسماء الأماكن من اللافتات الحديدية الزرقاء.
كان السفر نفسه جزءًا من الرحلة، لا مجرد مسافة يجب اختصارها. اليوم، لم يعد أحد ينظر إلى الطريق أصلًا.
حتى المدن صارت تمرّ بسرعة زجاجية بلا ملامح.
خسرنا الفكرة
الشيخ السبعيني أشعل سيجارة خلسة حين توقفنا في محطة استراحة، ثم قال وهو يبتسم بحزن:
– “القطار كان للناس الكل… حتى الفقير يسافر ويشوف البلاد.”
كانت تلك هي الفكرة، ربما.
لم تخسر تونس مجرد وسيلة نقل رخيصة.
خسرت شيئًا أعمق: فكرة السفر الجماعي نفسها.
خسرت الزمن البطيء الذي يسمح للناس بأن يروا بعضهم. خسرت تلك المسافة الإنسانية بين مدينة وأخرى.
وخسر التونسيون، بصمت، أحد آخر الأماكن التي كانوا يشعرون فيها أنهم ينتمون إلى الحكاية نفسها.
منتصف النهار
وصلنا إلى سوسة. نزل الجميع بسرعة، كأن الرحلة لم تجمع بينهم أصلًا. أغلقت هاتفي، نزعت السماعات، ونظرت للحظة إلى الوجوه المتفرقة حولي.
تذكّرت القطار القديم: نوافذ كبيرة مفتوحة، مقاعد مهترئة، ضحك جماعي، وأناس لا يعرفون بعضهم لكنهم يتصرفون كأنهم أبناء مدينة واحدة.
ربما لم نخسر القطار فقط. ربما خسرنا طريقة كاملة في العيش معًا.
الامضاء ضياء تقتق (من ركنه الاسبوعي بلا روتوش Res Publica )
